فلنفرض أن النبي ﷺ استطاع أن يخدع كل من كان في زمنه، ألا يخشى أن ينكشف بعد ذلك إذا ازداد الناس علما، فهو يخبر بأمور فلكية وأخرى طبية وأمور جغرافية، ويخبر بأحداث سوف تقع بعد موته، ويتكلم بعلوم لم يعرفها أهل زمانه، كل هذا وهو مطمئن القلب لصدق نفسه، ثم لا يأتي الواقع إلا مطابقا لما قال، ولا يأتي العلم -على تقدمه الكبير- إلا بتأكيد كلامه وتأييد آرائه، أليس في هذا دليل أنه لا يتحدث من قبل نفسه، بل من قبل من يعلم السر والنجوى الذي لا تخفى عليه خافية.
قالت بوتر (١): (كيف استطاع محمد ﷺ الرجل الأمي، الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله ﷿ (٢) .
١٠-منهجه في كيفية تلقي النص أول عهده بالوحي (٣):
(ولقد كان حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلًا،فيحرك به لسانه وشفتيه طلبًا لحفظه، وخشية ضياعه من صدره، ولم يكن ذلك معروفًا من عادته في تحضير كلامه، لا قبل دعواه النبوة ولا بعدها، ولا كان ذلك من عادة العرب، إنما كانوا يزورون كلامهم في أنفسهم، فلو كان القرآن منبجسًا من معين نفسه لجرى على سنة كلامه وكلامهم ولكان له من الروية والأناة الصامتة ما يكفل له حاجته؛ من إنضاج الرأي، وتمحيص الفكرة، ولكنه كان يرى نفسه أمام تعليم يفاجئه وقتيًا ويلم به سريعًا، بحيث لا تجدي الروية شيئًا في اجتلابه لو
(١) تقدمت ترجمتها ص ١٨٧.
(٢) قالوا عن الإسلام (ص٥٥)
(٣) المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن، للحكيم (ص:٥٢) .