ʿUlūw al-himma
علو الهمة
وعندك محبوك السراة مطهم ... وفي الكف مطرور الشباة صقيل (¬4) وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة، وتنشيط الهمة، الحديث العهد بالتوبة، فإن من شأن التحول من بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة أن ينسيه ما يجذبه إلى صحبة السوء وأماكن السوء، فيجتمع قلبه، ويلتئم شمله، وتتوحد همته وتتوجه بصدق وعزم إلى أسلوب من الحياة جديد، وهذا عين ما أشار به "العالم" الواعي على قاتل المائة (¬1)، حين شفع قوله: "نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة" بقوله: "انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء"، ولما جاءه الموت، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كان قربه إلى القرية الصالحة بالنسبة إلى بلد السوء سببا في قبض ملائكة الرحمة إياه، ففي بعض الروايات: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها"، وفي رواية: "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له" وفي رواية: "فنأى بصدره نحوها".
ولعل هذا المعنى كامن أيضا في تشريع نفي الزاني غير المحصن وتغريبه سنة بعيدا عن وطنه، كي تجتمع عليه عقوبة بدنية بالجلد، وعقوبة قلبية بالنفي، وفي الوقت نفسه يبعد عن مسرح الجريمة كي ينسى ذكراها، ولا يبقى حيث يعامل باحتقار وإهانة، ويتعرض للمضايقات، ويعطى فرصة كافية لاستئناف التوبة الصادقة والحياة الكريمة.
Page 351