342

(كان من الاشتغال على جانب عظيم بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، كان يخرج من البيت صلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجا فيأكله، ويعود إلى الاشتغال إلي المغرب، فيأكل شيئا حلوا لطيفا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: "هذا الشاب ما يطلب قط درهما ولا شيئا، فلعله يرى شيئا يريد أن يأكله، فضعي في منديله درهما أو درهمين"، فوضعت نصف درهم، قالت الجدة: فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه، والنصف فيه، إلى أن رمى به إلي، وقال: "أيش أعمل بهذا؟ خذوه عني" (¬1).

وكان الإمام ابن مالك النحوي -صاحب "الألفية" وغيرها- كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئا من محفوظه حتى يراجعه في محله، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ.

حكي: (أنه توجه يوما مع أصحابه للفرجة بدمشق، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه، غفلوا عنه بسويعة، فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبا على أوراقه).

Page 349