والواقع أن هذه الأفعال التي صدرت عن النبي ﷺ إنما كانت من باب المداراة، ومن باب حسن الخلق وتأليف القلوب، مع أنه حصل مثل هذه المواقف لأناس ما كان الرسول ﷺ يخاف من جانبهم شيئًا حتى يقال إنها تقية منه لهم، ثم لم تكن هذه المداراة في أمور الدين إذ لم يعرف عن أحد من الأنبياء أنه دارى أحدًا في دينه، وإنما هو حسن الخلق ومقابلة الناس بالبشر مع تألفهم لأقوامهم، ولا ينافي هذا أن يقع في القلب كراهية ما هم عليه من فجور مع محبة الخير لهم وإرشادهم إليه وبذل النصح لهم بصدق وإخلاص.
وفي مختصر التحفة الاثني عشرية فوائد في هذا المعنى، ارجع إليها إن أحببت الزيادة (١) .
وفي الختام نود التنبيه إلى أن ما ينسبه الشيعة إلى علي ﵁ من قوله بالتقية -غير صحيح بروايات الشيعة أنفسهم وتناقضهم من حيث لا يعلمون. شأن كل باطل:
فقد رووا في كتبهم أن عليًا كان يهدد عمر في مواقف كثيرة، بل ويصل أحيانًا إلى الضرب والإهانة ورفع الصوت فيما يزعمون، وأن عليًا لو شاء لخسف بعمر وبغيره، وهذا يدل على أن عليًا ما كان بحاجة إلى التقية.
ثم رووا عن علي أيضًا أنه توقف عن بيعة أبي بكر زمنًا «ستة أشهر» لو كان يرى وجوب التقية لبايعه وأبطن الخلاف.
وعلى هذا فإنهم حين ينسبون إلى الأئمة القول بالتقية، ثم يثبتون لهم صفات لا تليق إلا بالله يعتبر كلامهم متناقضًا.
(١) مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٨٨ - ٢٩٦.