Al-taʿlīq ʿalā sharḥ al-sunna liʾl-Barbahārī - Nāṣir al-ʿAql
التعليق على شرح السنة للبربهاري
الاقتصار في محاجة البدع على السنة
قال رحمه الله تعالى: [ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ، وما كان عليه أصحابه والجماعة؛ فلج على أهل البدعة كلهم، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي)، وبين لنا رسول الله ﷺ الناجي منها فقال: (ما أنا عليه وأصحابي)، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح والمنار المستنير، وقال رسول الله ﷺ: (إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق)].
هذا الحديث أثر عن ابن مسعود، لكن معانيه ثبتت عن النبي ﷺ، أما النهي عن التعمق والتنطع فقد ورد في نصوص كثيرة صحيحة عن النبي ﷺ، أما قوله: (وعليكم بدينكم العتيق) فهذا من كلام ابن مسعود.
وابن مسعود وغيره من الصحابة كثيرًا مما يروون عن رسول الله ﷺ، إما بالنص، أو يفهمون معاني كلام النبي ﷺ فينطقون به حكمة أو قواعد.
وفي هذه الفقرة أشار الشيخ إلى أن من وقف على سنة رسول الله ﷺ فمعه الحجة، وفعلًا! فإن من وقف على سنة النبي ﷺ في محاجة أهل البدع، فهذا هو المحق.
وقوله: (فلج) بمعنى خصم وقويت حجته في الخصومة، وانتصر.
ولذلك نجد السلف في محاوراتهم ومناظراتهم يقفون على هذا الأصل، كما فعل الإمام أحمد في مناظرته للجهمية أمام الخلفاء، فإنه ناظرهم بالكتاب والسنة، حتى كان يجيب بالآية ويجيب بالحديث، مما استثار حفيظة خصومه، وجعلهم يغضبون، وهو لا يقصد استفزازهم، لكن قصدي أنه أوقفهم على النص، وهذا هو المنهج السليم، فإن الآيات اشتملت على الدلالة الشرعية والدلالة العقلية ضد البدع والأهواء والشرك.
فمن هنا ينبغي لطالب العلم أن يتحرى دلالات القرآن وحجج القرآن وحججه وبراهينه في الرد على المخالفين، فإنها قواعد، فمن اقتصر على السنة في استدلاله وفي عمله وفي قدوته وفي انتسابه إلى الحق، وفي محاجته وجداله، وفي علمه وتعليمه، خصم أهل الأهواء والبدع؛ لأنه جاء بالحق الخالص.
قوله: (فلج على أهل البدع كلهم واستراح بدنه وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق» بمعنى أنه بين أن الافتراق سيكون، وأن الذين هم على الحق سيفلجون ويغلبون وينتصرون، وهم الجماعة، وهم من كان على ما عليه النبي ﷺ وصحابته.
إذًا فالسنة هي الشفاء وهي البيان وهي الأمر الواضح وهي المنار المستنير؛ لأن النبي ﷺ سماها: الواضحة، وقال ابن مسعود في الأثر: (إياكم والتعمق)، والنبي ﷺ نهى عن التنطع في الدين والتعمق فيه؛ لأن من التنطع الخروج عن مقتضى السنة، سواء في الاستدلال أو في منهج التلقي أو في المحاجة والجدال، أو في العمل والتطبيق، فكل من خرج عن السنة فهو متعمق خارج عن مقتضى الحق، والله أعلم.
14 / 7