Al-taʿlīq ʿalā sharḥ al-sunna liʾl-Barbahārī - Nāṣir al-ʿAql
التعليق على شرح السنة للبربهاري
مصدر التلقي عند أهل السنة
قال رحمه الله تعالى: [والحق ما جاء من عند الله ﷿، والسنة سنة رسول الله ﷺ، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان].
هذه قواعد معروفة، فالحق ما جاء من عند الله ﷿، يعني: الوحي الذي جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، فإن هذا هو الحق، وهو الميزان وهو المرجع، فلا يجوز لمسلم أن يبحث عن الحق من غير الوحي.
فهو بهذا يشير إلى مصدر التلقي، والمسلم يجب أن يتلقى دينه مما جاء عن الله ﷿.
ثم عرف السنة، وهذا من أجود التعاريف وأخصرها وأبينها أيضًا، أعني قوله: (والسنة سنة رسول الله ﷺ.
فالسنة ما جاء عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو بيان أو نحو ذلك من السيرة وغيرها.
ثم ذكر الجماعة أيضًا بأخصر معانيها، وهي ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وكذلك علي، لكنه قصد بذلك أن عليًا ﵁ ما جاء بجديد؛ لأن الخلافة ما استقرت في عهده بسبب القلاقل والأحداث، فأكثر ما أشار به علي ﵁ لا يخرج عن سنة الثلاثة.
وعلى هذا فإن هذا من تعاريف الجماعة، فالجماعة هم صحابة رسول الله ﷺ في وقتهم، ثم من تبعهم على نهجهم فهو من الجماعة.
إذًا فللجماعة مفهومان معروفان: الجماعة بمعنى الجماعة الأولى، وهم الصحابة ﵃، ومن جاء بعدهم فهو منهم بالتبع.
والمفهوم الآخر: أن الجماعة هم من اجتمعوا على الحق في كل زمان ومكان، وأولى من اجتمع على الحق الصحابة، فيعرف بهم غيرهم، ولذلك حينما يقتصر بعض السلف في تعريف الجماعة على الصحابة لا يقصد بذلك حصر الجماعة، لكن يقصد بذلك أنهم هم الأنموذج، ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة تبع لهم، وإلا فما حصر أحد من السلف الجماعة بالصحابة إلا المعاصرين لهم، فلما جاءت الأجيال التالية لهم ممن كان من الجماعة دخلت في هذا التعريف بالتبع، وهذا تعريف أو اصطلاح ساد عند السلف الأوائل أن يعرفوا الشيء بأوضح معانيه، أو بأبين أمثلته، أو بأفضل درجاته.
والدليل على هذا أنهم عرفوا علم العقيدة بالتوحيد، يقصدون بالتوحيد العقيدة كلها، بينما التوحيد هو توحيد الله ﷿ بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده بالربوبية والإلهية والعبادة، وبقية الأمور سميت توحيد تبعًا؛ لأن توحيد الله هو أشرف علوم التوحيد وأعلاها وأجلها، فسمي العلم بأشرف أجزائه، فكذلك الجماعة أحيانًا تحصر بالصحابة لا على سبيل الحصر الأنموذجي وأن من جاء بعدهم تبع لهم.
14 / 6