أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أنْ يُسمعكم من عذاب القبر" (١).
قوله ﷺ: "لولا أن لا تدافنوا": هو بحذف إحدى التاءين تخفيفًا، أي: لولا خوف ترك دفنكم الأموات، بل تتركونهم بلا دفن، من خوف أن يُصيبهم من العذاب ما أصاب الميت، وقيل: لولا أن تموتوا من سماعه لفظاعته وعظيم أمره، فتصعقون لوقتكم، وقيل غير ذلك.
فإنْ قُلْتَ: ما معنى قوله: "لولا أن لا تدافنوا" الخ، ومن المعلوم أن الصحابة ﵃ مؤمنون بعذاب القبر، مصدّقون به، فهو عندهم كالمحسوس، وكيف لا وهم خير هذه الأمة؟
فالجوابُ: عن ذلك من وجوه فقيل: محمول على ما ذكرنا، من أنهم يموتون، ولا إشكال وقد تقدم في الأحاديث ما يدل لذلك، وقيل: إن الذي حمله ﷺ على ذلك: أنهم إذا سمعوا، تركوا دَفن الميت، استهانة به أو لعجزهم عنه، أو لدهشتهم وحيرتهم، أو لفزعهم وعدم قدرتهم على دفنه، أو لئلا يحكموا على كل من أطلعوا على تعذيبه في قبره، أنه من أهل النار، فيتركون الترحم عليه، وتَرَجِّى العفو عنه.
ذكر مُلخص هذه الأوجه المناوي، في "شرحه الكبير على الجامع الصغير" (٢)، وأكثرها لا يخلو من مناقشة والله أعلم.
(١) رواه مسلم (٢٨٦٨)، والإمام أحمد ٣/ ١٠٣ و١٧٥ و١٧٦ و٢٠١ و٢٧٣ و٢٨٤، وابن حبان (٣١٢٦) (٣١٣١).
(٢) فتح القدير ٥/ ٣٤٢.