Al-Baḥr al-Madīd fī Tafsīr al-Qurʾān al-Majīd
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
Editor
أحمد عبد الله القرشي رسلان
Publisher
الدكتور حسن عباس زكي
Edition
١٤١٩ هـ
Publisher Location
القاهرة
Genres
•Allegorical Exegesis
Regions
•Morocco
Empires & Eras
ʿAlawid or Filalī Sharīfs (Morocco), 1041- / 1631-
الإشارة: كما فضَّل الله الرسل بعضهم على بعض، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين، والتغلغل في علم التوحيد الخاص، ذوقًا وكشفًا، والترقي في المعارف والأسرار. وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، والتفرغ التام، والزهد الكامل في النفس والفَلْس والجنْس، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة، ومنهم من لا يرى شيئًا من ذلك استغناءً عنها بكرامة المعرفة. وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول، مثله يقال في حق الأولياء، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة فإن لحوم الأولياء سموم، فليعتقد الكمال في الجميع، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدّم. والله تعالى أعلم.
ولما ذكر الحقّ تعالى أحوال الرسل، وتفاوتهم في العناية، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية، فقال:
وَلَوْ شاءَ ... قلت: إذا وقع فعل المشيئة بعد (لو) فالغالب حذف مفعوله، كقوله: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، أي: لو شئنا رفعه لرفعناه بها، وكقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ ...، أي: لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا، وغير ذلك.
يقول الحق ﷻ: ولما بعثتُ الرسلَ، وفضَّلتُ بعضَهم على بعض، اختلفت أممهم من بعدهم فاقتتلوا، وكل ذلك بإرادتي ومشيئتي، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداية أممهم مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ المعجزات الواضحات في تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم، وَلكِنِ اخْتَلَفُوا بغيًا وحسدًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بمخالفتهم، فكان من الأشقياء، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ جمعهم على الهدى مَا اقْتَتَلُوا، لكن حكمته اقتضت وجود الاختلاف ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم، وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد الله خيرها وشرها، وأن أفعال العباد كلها بقدرته تعالى، لا تأثير لشيء من الكائنات فيها. وهذا يردُّ قول المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله، فما أبعدهم عن الله. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
الإشارة: اختلاف الناس على الأولياء سُنة ماضية وحكمة أزلية، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ، فمن رأيته من الأولياء اتفق الناسُ على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل بالله إذ
1 / 283