Al-Baḥr al-Madīd fī Tafsīr al-Qurʾān al-Majīd
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
Editor
أحمد عبد الله القرشي رسلان
Publisher
الدكتور حسن عباس زكي
Edition
١٤١٩ هـ
Publisher Location
القاهرة
Genres
•Allegorical Exegesis
Regions
•Morocco
Empires & Eras
ʿAlawid or Filalī Sharīfs (Morocco), 1041- / 1631-
ولمَّا ذكر في هذه السورة جملة من الأنبياء والرسل، وشهد لرسوله ﷺ أنه من المرسلين ذكر تفضيل بعضهم على بعض في الجملة، فقال:
[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)
قلت: (تلك): مبتدأ، و(الرسل): نعت، أو بدل منه، أو بيان، و(فضلنا)، خبر، أو (الرسل) خبر، و(فضلنا): خبر ثان، والإشارة إلى الجماعة المذكور قَصَصُها في السورة.
يقول الحق ﷻ: تِلْكَ الرُّسُلُ الذين قصصناهم عليك، وذكرتُ لك أنك منهم، فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بخصائص ومناقب لم توجد في غيره. لكن هذا التفضيل إنما يكون في الجملة من غير تعيين المفضول، لأنه تنقيص في حقه وهو ممنوع. ولذلك قال ﵊: «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنبِيَاءَ»، «ولا تفضلوني على يونس بن متى» فإن معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه غيبة وتنقيص، وقد صرح ﷺ بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فخر» . لكن لا يُعَيِّن أحدًا من الأنبياء بالمفضولية لئلا يؤدي إلى نقصه، فلا تعارُضَ بين الحديثين.
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وهو موسى ﵇ في جبل الطور، وسيدنا محمد ﷺ حين كان قاب قوسين أو أدنى، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وهو نبيّنا محمد ﷺ فإنه خُصَّ بالدعوة العامة، والحُجَج المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه، كأنه العلم المشهور المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم، خصه بالخلة التي هي أعلى المراتب.
قلت: بل المحبة أعلى منها «١»، وقيل: إدريس لقوله: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا، وقيل: أولو العزم من الرسل، قاله البيضاوي.
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي: الآيات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، (وأيدناه بروح القدس)، أي: جبريل ﵇ كان معه أينما سار، وخصَّه بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، فردَّهم إلى الصواب باعتقاد نبوته دون ربوبيته.
(١) سواء كانت المحبة أعلى أم الخلة- فكلتاهما حاصلة لنبينا وسيدنا محمد ﷺ. وانظر في مسألة: أيهما أعلى: المحبة أم الخلة؟
الشّفا للقاضى عياض ١/ ٢١٣.
1 / 282