298

وفي نصف شهر ربيع الآخر جد المهدي على التجهيز إلى البلاد الشامية البرطية، وقد كان وطاقاته في الرحبة لها مدة في مكان يسمى بير الدرج[230/ب] بحدود بني الحارث وهمدان مما يلي قاع الرقة من الجهة الشرقية، فجهز محمد بن المتوكل وأحمد بن محمد وولده حسين بن المهدي وغيرهم وساروا طريق البون، فساروا في هذا التاريخ إلى عيان سكنوا فيه بعض المدة وهم يكاتبون إلى برط بالوصول بمشائخها وقاضيها، والسيد محمد الغرباني الذي فيها، ووصول الناهبين منها. فوصل المشائخ بضيافة والقاضي علي العنسي معهم، ولم يصل السيد محمد، ووصلوا بأعواض الطاعات القدر الذي عليهم، وقالوا: النصف هو مع سفيان، ثم شدد عليهم محمد بن المتوكل في وصول الفاعلين، فقالوا: لا قدرة لهم عليهم، لأنهم قبائل لا يقدر يحكم أحد على أحد منهم إلا بالمعروف، وأنهم يسعون جهدهم، ثم ذكر لهم الدخول إلى بلادهم، فاعتذروا بضعفها، وأنها لا تحملهم، خصوصا هذه المدة لخلفها، فلم يعذر عن الوصول إليها، وقال: إنه أمره بذلك المهدي. ثم رحل إلى رأس وادي المراشي وحط فيه، ووصل يومئذ إلى حضرته السيد محمد الغرباني، ثم تقدم محمد بن المتوكل ومن معه، وبقت المحطة في مكانها، سكن ببرط قدر شهر. ومات وهم هنالك القاضي علي بن قاسم العنسي الذي كان[231/أ] فيها، ويميل القبائل إلى قوله ويسلمون له زكاتهم، ويتحاكمون فيما شجر بينهم إليه في بعض أعمالهم، ثم خرج عنها ونزل إلى عيان في أول شهر شعبان. ووصل طلاب المهدي له بالعود، ووصل إلى عيان عقب نزوله إليه صاحب صعدة علي بن أحمد، لبث قدر ثلاثة أيام أربعة أيام وعاد بلاده. وعاد محمد بن المتوكل وجميع من معه في نصف شعبان، وكان قد حصل أيام سكونهم هنالك جنايتان من سفيان على حطابين وجناية أخرى على عسكر كانوا هاربين فقتلوا واحدا منهم، وجنايات أخرى في الباقين.

وفي الشهر الماضي كان استأذن قاسم بن المؤيد صاحب شهارة المهدي في قبض زكاة بلاد عذر أيام سكونه في قرن الوعر، فأذن وقبضها، فلما بلغ أحمد بن المتوكل، وهو واليها أرسل من حضرته وهو بالسودة عينة من عسكر لقبضها، وأنه لا يحتسب بما سلموه إلى قاسم منها، فسلم من سلم وامتنع من امتنع، وتضرروا من تسليم زكاتين. ثم إن أحمد بن المتوكل خرج من السودة للقيا صنوه إلى البون حال عزمه إلى تلك الجهة العيانية، في الشهر الماضي في ربيع، ثم تقدم إلى حضرة المهدي، وحال وصوله أصابه البرسام وسقط على فراشه لا يقوم من مرقده، ومات في يوم الأربعاء لعشرين[231/ب] خلت من شهر جمادى الأولى بالروضة وقبر فيها، وكان أصحابه الذين يطلبون الزكاة في عذر ما قد أتموها فنفس الله على من لم قد سلم بتركها.

وظهرت هذا التاريخ جراد في اليمن، وكان المطر أول الخريف قليلا.

وفي هذا الشهر وصل كتاب من صاحب عدن الشيخ راجح بأنه وصل إلى سواحل عدن مركب من ............ ، فأرسلوا أهله إليه أنه يرسل إليهم في الليل جماعة من أعيان العسكر يدعون بينهم قصد عمان لهم وهم لا يشعرون بمن فيه من التضمين معهم، فسار جماعة كما طلبوه في الليل، واتصلوا بهم ودخلوه، فلما أصبح الصباح ولاح أقبل العمانيون إلى المركب يجرونه بالكلاليب ، فخرج فيهم الذين داخله بالقتال والسلاح، والرمي بالبنادق والكفاح، فأخذوا منهم خمسة وعشرين رجلا وانكسر الباقون وسلم المركب بمن فيه ودخل عدن، ولما عرف العمانيون أنهم لا قدرة لهم على عدن، وقرب عليهم وقت السفر، وطلعت الثريا فجرا من المشرق عادوا بلادهم.

Page 608