302

العقلاء منعقد على أن الدنيا تضمحل وتفنى ، ولا تعود ، ولا تعمر أبدا.

ومنها : أن الآخرة عالم تام لا ينتظم مع الدنيا في سلك واحد ، ولا أحدهما من الآخر في جهة واحدة ، أو في اتصال واحد ، زماني أو مكاني ، بل لا مكان للآخرة لا كلها ولا أجزائها ، كما دريت سابقا.

نعم ، لها إحاطة بالدنيا إحاطة الروح بالجسم ، وإنما يراها الكمل من الأولياء الذين انقلبت نشآتهم إلى تلك النشأة في الدنيا ، دون غيرهم ؛ إذ ليس عند غيرهم منها ومن الصور الموجودة فيها إلا الألفاظ الموضوعة شرعا لأجلها من غير دلالة لها على خصوص معانيها ، إلا على الأمثلة البعيدة ، كما أخبر الله سبحانه عنه بقوله : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) (1)، وقوله : ( وننشئكم في ما لا تعلمون ) (2).

قال ابن عباس رضى الله عنه : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء (3).

ومنها : أن القدرة على الإيجاد في المادة الأخروية أوسع وأكمل وأتم منها على الإيجاد في المادة الدنيوية ، والتأثير فيها ؛ لأن الموجود في الدنيا لا يوجد في مكانين ، وإذا صارت النفس مشغولة باستماع واحد ومشاهدته ومماسته صارت مستغرقة محجوبة عن غيره ، وأما الموجود في الآخرة فيتسع اتساعا لا ضيق فيه ، ولا منع ، حتى لو اشتهى مشاهدة النبي صلى الله عليه وآله مثلا ألف شخص ، في ألف مكان ، في حالة واحدة ، لشاهدوه كما خطر ببالهم في الأمكنة

Page 322