300

على سريره اهتز سريره فرحا ، وفي القرآن المجيد : ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) (1)، وهذه النشأة موصوفة بمقابلات ذلك ، وقد مضى بيان ذلك كله مستوفى.

ومنها : أن هذه النشأة الدنياوية لضعف وجودها التدريجي يحتاج الإنسان مادام فيها إلى مهد المكان ، وظئر الزمان ، وكل منهما لضعف وجوده غير مجتمع الوجود ، ولا قار الذات ، فوجود كل جزء منهما حضوره يقتضي فقد صاحبه وغيبته ، وأما النشأة الأخروية فلتمامها مستقلة بنفسها ، مستكفية بذاتها ، وكذلك كل ما فيها تام قائم بذاته ، وذات مبدعه ، من غير افتقار إلى الأزمنة ، والمواد المنقسمة المنفصلة المتصرمة المتقضية ، بل المجتمعة الثابتة التي لا يمكن أن يخبر عنها لأهل هذا العالم المقيدين بسلاسل الزمان ، وأغلال المكان ، إلا بضرب الأمثال ، كما أخبر عن زمان الآخرة ومتاها بأقل زمان وألطفه ، قال تعالى : ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) (2)، وعن مكانها بأوسع مكان ، قال سبحانه : ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) (3)، وكما أن البدء غير زماني ولا مكاني ، كما قال عز وجل : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) (4)، فكذلك العود ( كما بدأكم تعودون ) (5)، ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) (6).

Page 320