والإطراء هو: زيادة المدح والمبالغة فيه، كما هي عادة بعض المدّاحين من الشعراء وغيرهم، وهذه صفة ذميمة، فإن كثرة المدح والزيادة في ذلك منهي عنها في حق الرسول ﷺ وفي حق غيره، ولكن في حق الرسول أعظم، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك والكفر، فإن الغلو في مدح الأنبياء يؤدي إلى الشرك، كما حصل للنصارى واليهود حينما غلو في الأنبياء.
فمعنى قوله: "لا تُطروني" يعنني: لا تزيدوا في مدحي.
"كما أطرت النصارى ابن مريم" النصارى المراد بهم: أتباع عيسى ﵇، قيل: سُمُّوا نصارى نسبة إلى البلد: الناصرة في فلسطين، أو من قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾، وهم أهل ملّة من الملل الكتابيّة، ويسمّون بالنصارى، أما أن يسمّوا بالمسيحيين- كما عليه النّاس الآن- فهذا غلط، لأنه لا يقال: المسيحيون إلاّ لمن اتبع المسيح ﵇، أما الذي لم يتبعه فإنه ليس مسيحيًّا، وإنما هو نصراني، فاسمهم في الكتاب والسنّة: النصارى.
كما أن اليهود نفروا من الاسم الخاص بهم في الكتاب والسنّة وهو اليهود فسموا أنفسهم إسرائيل، وإسرائيل هو نبي الله يعقوب ﵊ فليسوا هم إسرائيل، وإنما هم اليهود. هذا هو اللفظ الموضوع لهم، الذي رُبطت به اللعنة والغضب من الله ﷾ بسبب كفرهم بالله وعنادهم وتعنتّهم، فهم اليهود.
نعم، يُقال: بنو إسرائيل- كما سمّاهم الله بذلك- لأنهم من ذرية يعقوب ﵇ في الغالب، وفيهم أناس يهود ليسوا من ذرية إسرائيل، لكن الغالب عليهم أنهم من بني إسرائيل.
وعلى كل حال؛ لا يجوز أن يُقال: إسرائيل، وإنما يُقال: اليهود، أو يقال: بنوا إسرائيل.
" كما أطرت النصارى" أي: كما غلت النصارى في مدح المسيح ﵇.
"ابن مريم" يُنسب إلى أمه ﵍ لأنه ليس له أب، لأن الله خلقه من أم بلا أب بقوله: ﴿كُن﴾، فهو تكوّن بالكلمة من قوله: ﴿كُن﴾، ولذلك يُقال: (كلمة الله)، لأنه تكوّن بها من غير أب، فتكوّن بأمر الله ﷾ حين قال له: "كُن" فكان بأمر الله، هذا