351

الاربعون حديثا :355

وهكذا وردت بالنسبة إلى تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق وتعديلها ، آيات في الكتاب الإلهي ، وأحاديث مأثورة عن أهل البيت عليهم السلام ، فوق المستوى المأمول ، ولكن تلك الآيات وهذه الروايات أصبحت لدينا نحن المساكين والمبتلين بالآمال والأماني ، مهجورة ، وغير معتبرة ولا نبالي بها . وسيأتي يوم يؤاخذنا الله سبحانه عليها ، ويحتج علينا ، ويتبرأ منا نعوذ بالله الأئمة الأطهار عليهم السلام ، لبراءتنا من أحاديثهم وعلومهم . نعوذ بالله من سوء العاقبة وشر الختام .

وإن الأحاديث العائدة إلى الفقه والمناسك الظاهرية ، مشحونة بها في كل كتبنا ولا نحتاج إلى عرضها وذكرها .

إذا إتضح أن علوم الشريعة منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة ، حسب حاجات الإنسان ، والمقامات الإنسانية الثلاثة . ولا يحق لأحد من العلماء في هذه العلوم الثلاثة أن يطعن في الآخر ، ولا يجب على الإنسان إذا جهل علما أن يكذبه ويتطاول على صاحبه . وكما أن العقل السليم يعتبر التصديق من دون تصور من الأغلاط والقبائح الأخلاقية ، فكذلك التكذيب لشيء من دون تصور بل حاله أسوء وقبحه أعظم . فإذا سألنا الله سبحانه يوم القيامة ، وقال مثلا أنتم لم تكونوا تعرفون معنى وحدة الوجود حسب مسلك الحكماء ، ولم تتعلموه من المتخصص في ذلك العلم وصاحب ذلك الفن ، ولم تحصلوا على علم الفلسفة ومقدماتها فلماذا أهنتم القائل بها وكفرتموه من دون معرفة ؟

فماذا نملك من الجواب أمام ساحة قدسه حتى نجيب عليه ، عدا أن نطأطأ الرأس حياءا وخجلا ؟ ولا يقبل الاعتذار بأنني هكذا زعمت في نفسي . إن لكل علم مبادئ ومقدمات ولا يتيسر فهم ذلك العلم إلا بعد استيعاب تلك المقدمات ، وخاصة مثل هذه المسألة الدقيقة التي استنزفت جهود أجيال تلو أجيال ، ومع ذلك يصعب فهم أصل الحقيقة ومغزاها بصورة دقيقة .

إن الشيء الذي بحثه الحكماء والفلاسفة آلاف السنين ودققوا فيه ، هل تريد أن تدرك بعقلك الناقص ، الموضوع بواسطة دراسة كتاب واحد أو قصيدة واحدة من قصائد المثنوي ؟ وقطعا لا تستطيع أن تدرك شيئا من ذلك . «رحم الله امرءا عرف قدره ولم يتعد طوره» (1) .

وهكذا إذا سأل الله سبحانه حكيما متفلسفا أو عارفا متصنعا ، لماذا جعلت العالم الفقيه قشريا وظاهريا وطعنت فيه ؟ بل ما هو المبرر الشرعي في قدحك في سلسلة من العلوم الشرعية ، التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام من قبل رب الأرباب لتكميل النفوس البشرية وفي تكذيبك إياها وإهانتها ؟ وما هو المسوغ الشرعي أو العقلي للتطاول على مجموعة من العلماء الاربعون حديثا :356

Page 355