وكون عمر ﵁ اختص بهذه المكرمة العظيمة وانفرد بها دون من سواه من الصحابة لا تدل على أنه أفضل من الصديق ﵁.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكان أبو بكر ﵁ أكثر علمًا وإيمانًا من عمر ... وإن كان عمر ﵁ محدثًا كما جاء في الحديث الصحيح ... فهو ﵁ المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولكن مزية الصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلمًا وإيمانًا بما جاء به، درجته فوق درجته فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب المتابعة للآثار النبوية، فهو معلم لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر معلمًا لعمر ومؤدبًا له حيث قال له: فأخبرك أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا قال: إنك آتيه ومطوف.
فبين له الصديق أن وعد النبي ﷺ مطلق غير مقيد بوقت، وكونه سعى في ذلك العام وقصده لا يوجب أن يعني ما أخبر به، فإنه قد يقصد الشيء ولا يكون، بل يكون غيره، إذ ليس من شرط النبي ﷺ أن يكون كما قصده، بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده، كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام، بخلاف خبر النبي ﷺ، فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ويتحقق"١.
وقال العلامة ابن القيم: "ولا تظن أن تخصيص عمر ﵁ بهذا تفضيل له على أبي بكر الصديق بل هذا من أقوى مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة وتمام رضاعه من ثدي الرسالة استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث أو غيره، فالذي يتلقاه من مشكاة النبوة أتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من المعرفة وتأمل ما فيه من الحكمة
١ـ دقائق التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محمد السيد الجليند ٤/٣٠٦-٣٠٧.