188

Al-qirāʾāt al-mutawātira wa-atharuhā fī al-rasm al-Qurʾānī wa-al-aḥkām al-sharʿiyya

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية

Publisher

دار الفكر

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م

Publisher Location

دمشق

وهذه المعاني التي دلّت لها الآية من أصول العقيدة يدلّ لها النقل، ويدلّ لها العقل في مواطن كثيرة، وتزيده هذه الآية توكيدا على توكيد.
وفي التّنزيل: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف: ١٨/ ١٠٧].
وقد أدّى النّبي ﷺ ما أوحي إليه فلم يضنّ بشيء، وكان في بعض ما أدّاه عتب عليه شديد، ولو كان له أن يبدله من تلقاء نفسه لكتم ذلك، وقد قالت السيدة عائشة ﵂: لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٣/ ٣٧].
وكذلك قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى* وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى* وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ٨٠/ ١ - ١٠].
وكذلك قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٨/ ٦٧ - ٦٨].
وكذلك قوله سبحانه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقّة: ٦٩/ ٤٤ - ٤٧].
فهذه الآيات ونظائرها تضمّنت عتبا شديدا على النّبي ﷺ، ولو كان له أن يضنّ بشيء من الوحي لضنّ بهذا. وأما باب الظّن فقد رزقه الله سبحانه من اليقين ما لم يؤته أحد، وبحسبك أنه بشّر سراقة بن مالك بن جعشم بسواري كسرى وتاجه وهو طريد خائف، يخاف أن يتخطّفه الناس، وبشّر المسلمين بكنوز كسرى وقيصر يوم الخندق، وإن المشركين ليطوقون المدينة كما يطوق السوار المعصم، والمنافقون بداخل المدينة يغلون بالنّفاق ويقولون: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: ٢٣/ ١٢]، واليهود يغدرون من الخلف ويكيدون للإسلام والمسلمين.

1 / 202