إن المستفتي عن ذلك واحد وهو جابر بن عبد اللَّه ﵄ وحينئذٍ فالأمر لا يخلو من حالين:
الأولى: أن تقولوا إن السبب خاص وليس عامًا لأن السائل واحد وهو جابر فيقال لكم: ما الفرق إذن بين قوله: يسألونك، وقوله: يستفتونك، لأن طريقتكم تقتضي أن الأول سبب عام، والثاني سبب خاص؟
الثانية: أن تقولوا إن السبب عام إذ لا فرق بين يسألونك ويستفتونك، وحينئذٍ يقال لكم كيف جعلتم هذا سببًا عامًا مع أن السائل واحد وهو جابر ﵁؟
وهذا المثال بيِّن في التعكير على ما ذكروه من خصوص السبب وعمومه والله أعلم.
أما الحال الثالثة: وهي أن يكون كلٌ من السبب واللفظ النازل عليه خاصًا فهذا واقع، والأمثلة عليه من أسباب النزول كثيرة ومنها:
١ - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول اللَّه ﷺ وشُج في وجهه، قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟ قال: فأنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨).
فالسبب واللفظ كلاهما خاص هنا.
٢ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا؛ قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوم أشدُّ منه، قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا باللَّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).