المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته لاشك أن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فإنه لم يخالف نصًا، ولم يخرم إجماعًا، وله سلف فيما ذهب إليه من اشتراط الحاجة في جواز المسح على الخف وهو بعض رأي ابن عباس ﵁ وموافق لقول المالكية، وإن كان القول بعدم هذا الشرط أقوى وهو قول جمهور الصحابة والفقهاء (^١)؛ إلا أنه كلما وجدت الحاجة كان الترخيص أولى (^٢)؛ كما أنه لا يسن اللبس لأجل المسح، لكنَّ منع المسح من أجل ذلك محل نظر، كما قال ابن تيمية: (فمن تدبر ألفاظ الرسول ﷺ وأعطى القياس حقه: علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة؛ وأن ذلك من محاسن الشريعة ومن الحنيفية السمحة التي بُعث بها) (^٣)، والله أعلم.
(^١) فَهِم ابن عباس ﵁ من الصحابة (سعد، وعمر وابنه ﵃ أنهم فهموا من مسح النبي ﷺ على خفيه جواز المسح على الخفين مطلقًا، ولذا تعقبهم بقوله: (لو قلتم هذا في السفر البعيد، والبرد الشديد) وقد سبق تخريجه.
(^٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٨): (ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز، فأهل الشام والروم ونحو هذه البلاد أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز، والماشون في الأرض الحزنة والوعرة أحق بجواز المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة).
(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٦)، وقال ﵀ (٢١/ ٢١٣): (باب المسح على الخفين مما جاءت السنة فيه بالرخصة حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم وغير ذلك، فلا يجوز أن يتناقض مقصود الشارع من التوسعة بالحرج والتضييق).