261

Al-Taʿlīq waʾl-īḍāḥ ʿalā Tafsīr al-Jalālayn

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

ثم أمر سبحانه المرتادين لهذا البيت أن يتَّخذوا من مقام إبراهيم مُصلًّى؛ أي: يُصلُّوا عنده، وهو الحَجَرُ الذي كان يقوم عليه عند بنائه للبيت؛ فقال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ولَمَّا فرغ النبيُّ ﷺ من طواف القدوم في حجته أتى المقامَ فصلَّى عنده وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^١).
ثم أخبر سبحانه أنه أمرَ إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الأقذار والأنجاس الحسِّيَّةِ والمعنويةِ ليكون مهيئًا للطائفين به والعاكفين والمصلِّين عنده؛ فقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾، ومعنى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾: أمرناهما، وعدي الفعل بـ «إلى»؛ لأنه مُضمَّنٌ معنى: أوحينا؛ فالمعنى: أوحينا إليهما الأمر بتطهير البيت، و«أنَّ» في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾: تفسيرية، وهي التي تأتي بعد القول أو ما في معناه.
﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ ابْتَلَى﴾ اختبرَ ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ وفي قراءةٍ إبراهام ﴿رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ بأوامرَ ونواهٍ كلَّفه بها؛ قيل: هي مناسكُ الحجِّ، وقيل: المضمضةُ والاستنشاقُ والسِّواكُ وقصُّ الشاربِ وفرقُ الرأسِ وقلمُ الأظفارِ ونتفُ الإبطِ وحلقُ العانةِ والختانُ والاستنجاءُ ﴿فَأَتَمّهنَّ﴾ أدَّاهُنَّ تامَّات ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿إنِّي جَاعِلك لِلنَّاسِ إمَامًا﴾ قدوةً في الدين ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أولادي اجعلْ أئمة ﴿قَالَ لَا يَنَال عَهْدِيَ﴾ بالإمامة ﴿الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين منهم، دلَّ على أنه ينالُ غير الظالم. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ الكعبةَ ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ مرجعًا يثوبون إليه من كلِّ جانبٍ ﴿وَأَمْنًا﴾ مأمنًا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره، كان الرجلُ يَلقى قاتلَ أبيه فيه فلا يُهيجه ﴿واتَّخِذُوا﴾

(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵄.

1 / 265