247

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم ﴿فسيروا﴾ أيها المؤمنون ﴿في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ الرسل من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم.
﴿هذا﴾ أي: القرآن ﴿بيان للناس﴾ عامّة ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وموعظة للمتقين﴾ خاصة ﴿ولا تهنوا﴾ أي: تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح يوم أحد.
﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذٍ من المهاجرين خمسة: منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلًا ﴿وأنتم الأعلون﴾ أي: وحالكم أنكم أعلى شأنًا منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة أي: وأنتم الأعلون في العاقبة ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات، ١٧٣) وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا إن صح إيمانكم على أنّ صحة الإيمان توجب قوّة القلب والثقة بالله تعالى وقلة المبالاة بأعدائه أو متعلق بالأعلون أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة.
﴿إن يمسسكم قرح﴾ جهد من جرح ونحوه يوم أحد ﴿فقد مس القوم﴾ الكفار ﴿قرح مثله﴾ يوم بدر ثم إنهم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى أن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون، وقيل: كلا المسين كان يوم أحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ وقرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بضم قاف قرح في الموضعين، والباقون بالفتح وهما لغتان بمعنى، وقال الفرّاء: القرح بالفتح الجرح وبالضم آلمه ﴿وتلك الأيام﴾ تلك مبتدأ أو الأيام صفته وقوله تعالى: ﴿نداولها﴾ خبره ويصح أنّ تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة أي: نصرّفها ﴿بين الناس﴾ قال البغوي: فيومًا عليهم ويومًا لهم. قال في «الكشاف» كقوله وهو من أبيات الكتاب:
*فيوم علينا ويومًا لنا ... ويوم نُساءُ ويومًا نُسَر*
تقديره فيومًا يكون الأمر علينا أي: بالأضرار ويومًا لنا أي: بالنفع فيكون يومًا ظرفًا ملائمًا لقوله: ويومًا نُساء ويومًا نسر قاله الشيخ سعد الدين. أي: أديل تارة للمسلمين على المشركين وهو يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين وأديل تارة للكافرين على المسلمين وهو يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسًا وسبعين.
روي أنه ﷺ جعل عبد الله بن جبير على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلًا، فقال: «إن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وسوقهنّ رافعات ثيابهنّ» فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يثبت مع النبيّ ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا فأصابوا منا سبعين وكان النبيّ ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين أسيرًا وسبعين

1 / 249