235

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان، فالنهي هما متوجه إلى القيد وحده، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، الآية فلو أنّ قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرّت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن هو طعامهم وليس لهم طعام غيره» .
﴿واعتصموا بحبل الله﴾ أي: بدينه وهو دين الإسلام استعار له الحبل من حيث إنّ التمسك به سبب للنجاة من الردى كما أنّ التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردي أو بكتابه وهو القرآن لقوله ﷺ «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» وقوله تعالى: ﴿جميعًا﴾ حال أي: مجتمعين عليه ﴿ولا تفرقوا﴾ أي: ولا تتفرقوا بعد الإسلام بوقوع الإختلاف بينكم كأهل الكتاب أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضًا ويحاربه.
﴿واذكروا نعمة الله﴾ أي: إنعامه ﴿عليكم﴾ التي من جملتها الهداية والتوفيق للإسلام المؤدّي إلى التآلف ﴿إذ كنتم أعداء﴾ في الجاهلية بينكم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة ﴿فألف بين قلوبكم﴾ بالإسلام وقذف فيها المحبة ﴿فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد وهو الأخوّة في الله وقيل: هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم فوقعت بينهما العداوة بسبب قتيل وتطاولت الحروب والعداوة بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله ﷺ ﴿وكنتم على شفى﴾ أي: طرف ﴿حفرة من النار﴾ أي: حفرة ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارًا ﴿فأنقذكم منها﴾ بالإسلام والضمير للحفرة أو النار أو الشفى وأنثه لتأنيث ما أضيف إليه كقول الشاعر:
*كما شرقت صدر القناة من الدم*
﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك البيان البليغ ﴿يبين الله لكم آياته﴾ أي: دلائله ﴿لعلكم تهتدون﴾ إرادة أن تزدادوا هدى.
﴿ولتكن منكم أمة﴾ أي: طائفة ﴿يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ فمن للتبعيض؛ لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فإنّ الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وعلى هذا فالمخاطب به الكل على الأصح ويسقط بفعل البعض الحرج عن الباقين وهكذا كل ما هو فرض كفاية، فإن تركوه أصلًا أثموا جميعًا وقيل: من زائدة وقيل: للتبيين بمعنى وكونوا أمة تأمرون بالمعروف كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف﴾ ﴿وأولئك﴾ أي: الداعون الآمرون الناهون ﴿هم المفلحون﴾ أي: الفائزون بكمال الفلاح.
روى الإمام أحمد وغيره «أنه ﷺ سئل وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم» .
وروي أنه ﷺ قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» .
وروي أنه ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» .
وروي أنه ﷺ قال: «والذي نفسي

1 / 237