234

Al-Sirāj al-munīr fī al-iʿāna ʿalā maʿrifat baʿḍ maʿānī kalām Rabbinā al-Ḥakīm al-Khabīr

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

Publisher

مطبعة بولاق (الأميرية)

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

والتكذيب وإنما يؤخركم لوقتكم فيجازيكم.
فإن قيل: لم ختمت الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿وا شهيد على ما تعملون﴾ وهذه الآية بقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؟ أجيب: بأنه لما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله تعالى: ﴿وا شهيد على ما تعملون﴾ ولما كان في هذه الآية صدهم المؤمنين عن الإسلام كانوا يخفونه ويحتالون فيه قال: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ .
ولما مر شاس بن قيس اليهوديّ - وكان شيخًا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم - على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مسجد لهم يتحدّثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابًا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث - وهو موضع بالمدينة وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار وكان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس - ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ كرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف به بينكم؟» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضًا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين» نزل.
﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: شاسًا وأصحابه ﴿يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ قال جابر: ما رأيت يومًا قط أقبح أوّلًا وأحسن آخرًا مثل ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب والتوبيخ.
﴿وكيف تكفرون﴾ أي: ولم تكفرون ﴿وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾ محمد ﷺ والمعنى من أين يتطرّق إليكم الكفر والحال إنّ آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان النبيّ ﷺ غضة طرية وبين أظهركم رسول الله ﷺ ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ﴿ومن يعتصم با﴾ أي: ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره ﴿فقد هدى﴾ أي: فقد حصل له الهدى لا محالة كما تقول: إذا جئت فلانًا فقد أفلحت كان الهدي قد حصل فهو يخبر عنه حاصلًا ومعنى التوقع في قد ظاهر لأنّ المعتصم بالله متوقع للهدي كما أنّ قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده ﴿إلى صراط﴾ أي: طريق ﴿مستقيم﴾ أي: واضح.
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ أي: واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم. وقال ابن مسعود: بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى.
وروي مرفوعًا لما نزلت هذه الآية «قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ فنسخ بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ . وقال مقاتل: ليس في آل عمران منسوخ إلا هذه الآية ﴿ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾ أي: موحدون والمعنى: لا تكونن على حال سوى حالة الإسلام إذا أدرككم الموت، فإنّ النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات إلى القيل تارة وإلى المقيد أخرى وإلى المجموع منهما وهو هنا إلى المقيد كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ ولا تأتني إلا وأنت على حصان بكسر الحاء فلا تناه عن الإتيان

1 / 236