الطور الأول :
طور النشوء والتكوين
هو عصر الرسالة أو عصر التشريع الذي كانت فيه البذرة الأولى للقواعد الفقهية. فإن النبي - صلَّى الله عليه وسلّم - الذي أنطقه الله بجوامع الكلم، كانت أحاديثه الشريفة في كثير من الأحكام بمثابة القواعد العامة التي تنطوي تحتها فروع فقهية كثيرة. وهي بجانب كونها مصدراً خصباً للتشريع واستنباط الأحكام تمثل القواعد الكلية الفقهية، وأصدق شاهد وأدل دليل على ذلك أن بعض الأحاديث مثل قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الخَرَاجِ بالضمان))، ((العَجْماءِ جُرْحُها جُبَار))، ((لا ضرر ولا ضرار))، ((البيّنة على المُدَّعي واليمين على من أنكر))، وما سواها من جوامع الكَلِم، أَضحت عند الفقهاء قواعد ثابتة مستقلة، وجرت مجرى القواعد الفقهية.
ومن هذا القبيل قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم))(١).
(١) سنن أبي داود بشرحه بذل المجهود، (ط. الهند، لكهنؤ، مطبعة ندوة العلماء، ١٣٩٢ هـ): ٥١/١٨؛ كتاب الديات، باب: إيقاد المسلم من الكافر. وسنن النسائي، (ط. البابي الحلبي): ١٨/٨؛ كتاب القسامة، باب: القود بين الأحرار والمماليك في النفس.
وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم ــ ((تتكافأ)): أي تتساوى دماؤهم أي في الديات والقصاص، يقاد الشريف منهم بالوضيع، والكبير بالصغير، والعالم بالجاهل، والمرأة بالرجل، ولا يقتل به غير قاتله على خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية. ولا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان والملل، ويسعى بذمتهم أدناهم. والذمة: الأمان، ومنها سمي المعاهد ذمياً لأنه أُومن على ماله ودمه للجزية، ومعناه: أن واحداً من المسلمين إذا أمن كافراً، حرم على عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم، مثل =