ولا شك أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم﴾، يقتضي عمومه سائرَ المكلفين، فليس من الجائز الاقتصار به على بعض الناس دون بعض(١)، كما نَبَّه على ذلك الجَصَّاص - رحمه الله - في تفسير الآية المذكورة.
وقال القُرْطُبِيُّ - رحمه الله -: ((هذه الآية من أمَّهات الأحكام، تضمنت جميع الدين والشرع ... والأظْهَرُ في الآية أنها عامة في جميع الناس. فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، وردّ الظّلامات، والعدل في الحكومات ... وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع، والتحرُّز في الشَّهادات وغير ذلك))(٢).
فهذا التفسير يبين أن الأمانات تتضمن الولايات كلها الدينية والدنيوية، كبيرها وصغيرها، وأنه يتحتم على كل من يقوم بولايةٍ ما أن يقيم العدل، ويزن الأمور بالقسطاس المستقيم.
وهنا ينبغي التنبيه على أنه يجب لتحقيق المصالح أن يتولى كل ولاية من كان كُفُوَاً لها، وأولى بها، كما تشير إلى ذلك قاعدة ذكرها القرافي - رحمه الله - وهي: ((يُقَدَّم في كل موطن وكل ولاية من هو أقوم بمصالحها))(٣).
ومن شواهد هذه القاعدة في كتاب الله الكريم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ... ﴾ الآية(٤)، وقوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوْا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النُّكَاحَ، فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدَأَ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمُ .. ﴾ الآية(٥)، وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيْمِ إِلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾(٦).
(١) انظر: الجصاص: أحكام القرآن، (ط. بيروت دار الكتاب العربي): ٢٠٧/٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٥٥/٥ - ٢٥٦.
(٣) الفروق: ٢٠٦/٣.
(٤) سورة النساء: الآية ٥.
(٥) سورة النساء: الآية ٦.
(٦) سورة الإسراء: الآية ٣٤.