وفي الحقيقة إن إدراك معاني المصالح والمفاسد مبني على فهم مقاصد التشريع الحكيم، ومن المعلوم أن حظوظ الفقهاء متفاوتة في هذا المجال، فبقدر ما يرسخ الفكر المقاصدي في ذهن الفقيه تتسع آفاقه في دراية المصلحة أو المفسدة. وإلى هذا يشير النص الآتي من ((قواعد الأحكام)):
- ((ومن تتبّع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها وإن لم يكن فيها إجماع ولا نصّ ولا قياس خاصّ، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء فَهِمَ ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر ثم سَنَحَتْ له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها فإنه يعرف بمجموع ما عَهِده من طريقته وأَلِفَه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة. ولو تتبعنا ما في الكتاب والسنّة، لعلمنا أنَّ الله أَمر بكل خير دقّه وجلّه، وزجر عن كل شرّ دقّه وجلّه ...))(١).
وفي القرآن الكريم عدة آيات فيها الحث والتوجيه إلى مثل هذه القاعدة ومن هنا كانت القاعدة من الدعائم التي ينبني عليها كثير من الأحكام العملية، يقول الإِمام عز الدين بن عبد السلام:
((إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أَمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فَعَلْنَا ذلك، امتثالا لأمر الله تعالى فيها لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما استطعتم﴾. وإن تعذَّر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المَفْسدة ولا نبالي بفوات المَصْلحة ...))(٢).
ومن النصوص القرآنية الكريمة التي يمكن الاستئناس بها في تقرير هذا الأصل، قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيه: قُلْ قِتَالٌ فِيه كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجَّ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلَ﴾(٣).
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢/ ١٦٠. (٣) سورة البقرة: الآية ٢١٧.
(٢) المصدر نفسه: ٨٣/١.