معروف صَدَقَةٍ(١). وسمى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه الآية جامعةً فاذَّة (٢): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَاً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ﴾(٣).
وبذكر الآية الكريمة في هذه المناسبة يتبيَّن استدلال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعموم ((مَن)) لِمَا لم يذكر له حكم، لأن السائل سأله عن صدقة الحمر وليس لها حكم خاص، فعلَّمنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - استنباط الحكم من العموم فيما ليس له حكم نصّاً(٤).
ومن ثم كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هي أخصب وأوسع مصدر للقواعد الفقهية، ولا غرو أن نسمّي بعض الأحاديث التي لها أسبقية في هذا المِضْمار، وجرت في القرون المتأخرة مجرى القواعد: ((القواعد التشريعية))، باعتبارها جامعةً ومحيطةً بالأحكام الشرعية العملية الكثيرة بجانب ما لها من قيمة في التشريع.
وما عقدتُ له هذا الفصل هو بيان أن هذه القواعد هي وليدة الأدلة الشرعية والحُجَجِ الفقهية، وكل ذلك سوف يلقي أضواءً كاشفةً على أهميتها ومدى تأصيل الفقهاء لها على دعائم قوية. وأن الأدلة هي بمثابة النِّبراس الذي استضاء به الفقهاء والأصوليون عند وضعها، وإجرائها، وإعمالها.
صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة: عن جابر بنفس اللفظ، (صحيح البخاري بشرح الكرماني: ٢١/١٧٦).
صحيح البخاري بفتح الباري ((ترقيم فؤاد عبد الباقي)): ٦٤/٦، كتاب الجهاد، باب: الخيل لثلاثة: عن عبد الله بن مسلمة في حديث طويل آخره: وسئل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الحمر فقال: ما أُنزل عليَّ فيها إلَّا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ... ) الآية. قال الحافظ ابن حجر في الشرح: ((سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمّاها فاذَّةً لانفرادها في معناها)): ٦٥/٦.
سورة إذا زلزلت: الآية ٨؛ وابن القيم: إعلام الموقعين: ٣٣٣/١ - ٣٣٥.
انظر: الحمزاوي؛ الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية: ص ٢٥٢، (الفائدة الأخيرة).