ثم جعل لكل قسم من هذه الأقسام الثمانية باباً، وذكر لكل باب قواعد بعنوان «الأصول» على نمط الكرخي وغيره؛ ووضحها بالأمثلة والنظائر الفقهية، وأردف الأقسام الثمانية قسماً تعرض فيه لبعض القواعد المحتوية على مسائل خلافية متفرقة.
وفيما يلي أسوق بعض النماذج للقواعد من الأقسام المذكورة المختلفة في الكتاب مع ضرب الأمثلة لها، حتى يتبين لنا غرض المؤلف ويمكن الاطلاع على نوع القواعد، وإدراك الخلاف في التفريع حسب اختلاف الأصول.
١ - «الأصل عند أبي حنيفة أن الشيء إذا غلب عليه وجوده، يجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد».
من المسائل المُفَرَّعة على هذه القاعدة: «أن من صلى في السفينة وهو يخاف على نفسه دَوَرَان رأسه جازت صلاته قاعداً عند أبي حنيفة لهذا المعنى، لأن الغالب من السفينة دَوَرَان الرأس، فجعل كالموجود حقيقة وإن لم يوجد. وعندهما (عند أبي يوسف ومحمد) لا تجوز صلاته»(١).
٢ - «الأصل عند أبي حنيفة أنه متى عرف ثبوت الشيء من طريق الإِحاطة والتيقن لأي معنىً كان، فهو على ذلك ما لم يتيقن بخلافه. كمن تيقَّنَ الطهارة، وشك في الحدث، فهو على طهارته. وكمن تيقَّن الحدث، وشك في الطهارة، فهو على الحدث مالم يتيقن الطهارة وعند الإِمام القُرَشي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه وأرضاه - كذلك»(٢).
٣ - «الأصل عند أبي حنيفة - رضي الله عنه وأرضاه - أن الإِذن المطلق إذا تَعَرَّى عن التّهمة والخيانة لا يختص بالعرف. وعندهما (الصاحبين) يختص».
منها: «أن الوكيل بالبيع إذا باع بما عزَّ وهان وبأي ثمن كان جاز عند أبي حنيفة لأن الإِذن مطلق، والتّهمَة منتفية فلا يختص بالعرف. وعندهما، وعند أبي عبد الله يختص»(٣).
(١) تأسيس النظر: ص ٨ - ٩. (٣) المصدر نفسه: ص ٢١ .
(٢) المصدر نفسه: ص ١٠ .