١ - إن القواعد التي جاءت في كتب القواعد والمدونات الفقهية الأخرى ليست كلها قواعد عامة، بل كثير منها قواعد مذهبية، تنسجم مع مذهب دون مذهب آخر.
٢ - إن كثيراً من القواعد المدونة وردت قديماً في عبارات وقوالب مفصلة. وكانت تعوزها الصياغة الرصينة القويمة، فاكتسبت صياغتها بعد المزاولة والمداولة.
ويمكن تجلية تلك الحقيقة بعد الموازنة بين عبارتين في قاعدة واحدة؛ على سبيل المثال: إنَّ القاعدة المشهورة في كون الإِقرار إنما يلزم صاحبه المقر، ولا يسري حكمه على غيره، ترى نصَّها المتداول في كتب المتأخرين وفي المجلة (م/٧٨) بعنوان ((الإِقرار حجة قاصرة))، في حين أننا نجد هذه القاعدة عند الإِمام الكرخي بالنص التالي:
الأصل: ((أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقرَّ به، ولا يصدق على إبطال حق الغير، ولا بإلزام الغير حقاً))(١). وهكذا كثير من القواعد المأثورة إذا قورنت نصوصها الأخيرة بأصولها القديمة(٢).
وكذلك القاعدة المشهورة ((التصرف على الرعية منوط بالمصلحة))(٣) يوجد أصلها في كلام الإمام الشافعي - رحمه الله - بأن ((منزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم))(٤). ثم اشتهر هذا القول عند كثير من الفقهاء باعتباره قاعدة تحت عنوان: ((تصرف الإِمام على الرعية منوط بالمصلحة))(٥).
وقد صاغ القاعدة نفسها العلامة السبكي بصيغة مركزة أكثر اتساعاً للفروع الفقهية، فقد أوردها بعنوان ((كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة))(٦).
(١) رسالة الكرخي (مطبوع مع تأسيس النظر): ص ١١٢.
(٢) انظر: حاشية المدخل الفقهي العام: ٩٤٦/٢.
(٣) مجلة الأحكام العدلية: (م/٥٨).
(٤) الزركشي: المنثور في القواعد، تحقيق تيسير فائق أحمد محمود، القسم الأول: ص ٣٠٩.
(٥) السيوطي: الأشباه والنظائر: ص ١٢١. (٦) السبكي: الأشباه والنظائر ((مخطوط))، و: ٩٦.