وكل ذلك يدل على أن صياغة الكثير من القواعد خضعت للتحوير والتطوير، فعلى سبيل المثال استقرت هذه القاعدة أخيراً بصيغة ((اليقين لا يزول بالشك)) فهي لا تكاد تذكر الآن إلاّ بهذه الألفاظ.
نص على هذه القاعدة في تعليقه على حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا تصوموا قبل رمضان، صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين))(١).
قال ابن عبد البر: ((وفي حديث ابن عباس هذا من الفقه ... أن اليقين لا يزيله الشك، ولا يزيله إلاّ يقين مثله، لأنه ﷺ أمر الناس ألاّ يدعوا ما هم عليه من يقين شعبان إلاّ بيقين رؤية واستكمال العدة، وأن الشك لا يعمل في ذلك شيئاً.
ولهذا نهي عن صوم يوم الشك اطّراحاً لإعمال الشك، وإعلاماً أن الأحكام لا تجب إلاّ بيقين لا شك فيه. وهذا أصل عظيم من الفقه: أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقّنة إلاّ بيقين من انتقالها))(٢).
وأعاد الحديث عنها، ونبّه على تدبّرها عقب ذكر الرواية الآتية من الموطأ:
- (( ... عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليصل ركعة، وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ... ))(٣) الحديث.
- قال أبو عمر: ((وفي هذا الحديث من الفقه أصل عظيم جسيم مطرد في أكثر الأحكام، وهو أن اليقين لا يزيله الشك، وأن الشيء مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك معه، وذلك أن الأصل في الظهر أنها فرض بيقين أربع ركعات، فإذا أحرم بها ولزمه إتمامها، وشك في ذلك، فالواجب الذي قد ثبت عليه بيقين لا يخرجه منه إلاّ يقين، فإنه قد أدى ما وجب عليه من ذلك.
(١) التمهيد: ٢/٣٥.
(٢) المصدر نفسه: ٢/٣٩.
(٣) المصدر نفسه: ٥/١٨.