فأمْر النبي ﷺ بالتيسير يدلّ دلالة واضحة على سماحة ويسر الشريعة الإسلامية، وأن الله -تعالى- قد وضع الحرج عن هذه الأمة، فكل ما جاء في شريعة الله من يسر فهو رفع للحرج، وكلّ ما فيه عسر وحرج فهو منفي عن هذا الدين كلّه.
تطبيقات هذه القاعدة تعم أبواب الفقه، وقد نص الإمام ابن حزم على رفع الحرج والعسر في كثير من الفروع الفقهية، أذكر منها ما يلي:
أنَّ ما يلحق المكلف من غسله حرج كدم البراغيث وونيم الذباب ودم الجسد فهو معفو عنه؛ لأنه لا يمكن الانفكاك منها.
أنّه لا يلزم المرء تكرار ما أُمر به من التكاليف؛ لأنه تكليف بما لا حدّ له، ولو كان ذلك لازماً لأدى بالمكلف إلى الحرج، والله -تعالى- قد رفعه عنّا، إلاّ أن يأتي الأمر بترديد ذلك مقادير معلومة فيكون ذلك لازماً.
من لزمته كفّارة الوطء في نهار رمضان، ولم يجد إلاّ رقبة لا غنى به عنها، لم يلزمه عتقها؛ لأن في ذلك حرجاً وعسراً لم يجعله الله -تعالى- عليه، ولا أراده منه، وفرضه حينئذ الصيام، فإن كان عاجزاً عن ذلك كلّه ففرضه الإطعام وهو باقٍ عليه إلى أن يجده.
لم يوجب الله -تعالى- علينا اتصال النية بِتَبيِّن الفجر في الصيام؛ لأن في ذلك حرجاً شديداً، وعسراً لا يُطاق، وإنّما ألزمنا سبحانه تبييت النية من الليل رفعاً
(١) ينظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، د. صالح بن حميد، ص ٧٧.
(٢) الونيم: هو خرء الذُّباب. ينظر: المصباح المنير، ص ٣٤٧، القاموس المحيط، ص ١١٦٨.
(٣) ينظر: المحلى ١/ ١٤٦، ١٤٨، ١٩٨.
(٤) ينظر: المحلى ٤/ ٨٨.
(٥) ينظر: المحلى ٦/ ١٤٠.