المطلب الأول
الاستمداد
امتاز منهج ابن حزم - في مسائل (المحلى) بوجه عام، وفي تقعيد القواعد الفقهية، وتأصيل الأصول على وجه الخصوص، بالاستشهاد بأنواع متعددة من الأدلة الشرعية، يلحظ ذلك كلّ من قرأ هذا الكتاب واطّلع عليه.
فلم يكن الإمام ابن حزم يعتمد في فقهه عموماً على النقل المجرَّد العاري من الدليل، بل جعل الأدلة الشرعية هي العمدة والأساس في استنباط الأحكام الشرعية، وتقعيد القواعد الفقهية، وهذا يعني أن المرتكز الرئيس عند ابن حزم في استمداد القواعد، هو النصوص الشرعية. وسأُحاول هنا أن أتعرَّض لأهم ما تميَّز به منهجه في الاستمداد:
أولاً: اعتماده على القرآن الكريم:
اعتنى ابن حزم بالقرآن الكريم عناية فائقة، وجعله الأصل المرجوع إليه، ومصدر جميع مصادر الفقه الإسلامي عنده، وأوجب الأخذ بظاهره.
ولأنّه يأخذ بمقتضى ظاهره دائماً؛ كان كل أمر فيه للوجوب إلاّ إذا صرفه عن الوجوب نصّ آخر، وكلّ نهي فهو للتحريم حتى يقوم دليل على صرف ذلك، وكلّ لفظ عام فهو على عمومه إلاّ أن يُخُصّ بنصّ آخر. وهكذا.
ومن هنا فإنّ ابن حزم يرى أنَّ نصوص القرآن الكريم تُعتبر قواعد عامَّة، وأصولاً جامعة، منها أو عن طريقها يجب أن تُستمد الأحكام الكلية والجزئية.
أما عن منهج ابن حزم في الاستدلال للقواعد الفقهية بالآيات القرآنية: فهو يتمثل في إيرادها قبل مصادره الأخرى، وعادة ما يستشهد بآيات عديدة على الحكم الفقهي الواحد كلياً كان أو جزئياً، وأحياناً ما يُتبع ذلك بتوضيح معاني بعض الآيات وتفسيرها، عند الحاجة إلى تقرير أمر مّا، والتأكيد عليه.