فإن الذي يترجّح لي - والله أعلم - يتلخص فيما يأتي :
١- أنَّ القاعدة الفقهية المستنبطة من نصوص الشَّرع استنباطاً يحتاج إلى نظر وتأمل، يختلف أمرها تبعاً لاتفاق العلماء أو اختلافهم في صحة الاستنباط. فإن كانت القاعدة مُسْتنبطة استنباطاً صحيحاً، مستوفياً لجميع شرائطه، مُتفقاً على صحته، فإنها تكون حجة، وحجيتها نابعة من حجيّة النصّ الشرعي، وإن اختُلِف في صحة الاستنباط، فهي حجة عند من یری صحته، وليست حجة عند غيره .
٢- أمّا ما كان من القواعد الفقهية ناتجاً من استقراء الفروع الفقهية، فإنه لا يصلح أن يكون دليلاً يُسْتدل به على إثبات الأحكام الشرعية سواء اتفق الفقهاء على تقعيدها أو اختلفوا فيه، ولكن عند الاتفاق يُمكن للفقيه المجتهد أن يستأنس بها في تفريع الأحكام وتخريجها، وفي الترجيح بين الأقوال عند استحكام الخلاف وتقابل الأدلة، فإنَّ القول الذي تؤيده القواعد الفقهية وتشهد له یکون أرجح من غيره .
وذلك لأنَّ أغلب القواعد الفقهية الاستقرائية مبنية على استقراء ناقص، فهو استقراء ناتج عن تتبع فروع فقهية محدودة، لا تكفي لزرع الطمأنينة في النفس، وتكوين الظن الذي بمثله تثبت الأحكام.
ثمّ إنَّ معظم القواعد الفقهية لا تخلو عن الْمُسْتثنيات، ومن المحتمل أن يكون الفرع المراد الاستدلال له بالقاعدة من الفروع المستثناة، فيُسْتدل بالقاعدة في غير موضع الاستدلال.
بالإضافة إلى أنَّ القواعد الفقهية إنما هي ثمرة للفروع الفقهية المتشابهة، وجامع لها، وليس من المعقول أن يُجعل ما هو ثمرة وجامع دليلاً لاستنباط أحكام هذه الفروع .
(١) ينظر: القواعد الفقهية، د.الباحسين، ص ٢٨٧.
(٢) ينظر: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، د.محمد شبير، ص ٨٧.
(٣) ينظر في هذه المرجحات: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص٣٩، القواعد الفقهية، الندوي، ص ٣٣٠، القواعد الفقهية، الباحسین، ص ٢٨٠.