133

Al-qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min Iʿlām al-muwaqqiʿīn

القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين

Publisher

دار ابن القيم ودار ابن عفان

((ولم يكن مع خصومه ما يردّون به عليه أقوى من الشّكاية إلى السّلطان، فلم يكن له بردِّ هذه الحجّة قِبَلٌ، وأمّا ما سواها فبّن فساد جميع حججهم، ونقضها أبلغ نقض، وصنّف في المسألة ما بين مطوّل ومتوسّط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة، وبلغت الوجوه التيّ استدلّ بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصّحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الأئمّة زُهاءَ أربعين دليلاً، وصار إلى ربّه وهو مقيم عليها، داعٍ إليها، مباهلٍ لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه وأوقاته لمستفتيه، فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا، فعطّلت لفتاواه مصانع التّحليل، وهدمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشعت سحائب اللّعنة عن المحلّلين والمحلّل لهم من المطّلقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السّلفية، وانتشرت مذاهب الصّحابة والتابعين وغيرهم من أئمّة الإسلام للطّالبين، وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كرمت عليه نفسه من المستبصرين، فقامت قيامة أعدائه وحسّاده ومن لا يتجاوز ذكر أكثر باب داره أو محلّته، وهجّنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التّهجين، فمن استخفّوه من الطّغام وأشباه الأنعام قالوا: هذا قد رفع الطّلاق بين المسلمين، وكثّر أولاد الزّنا في العالمين، ومن صادفوا عنده مسكة عقلٍ ولبّ قالوا: هذا قد أبطل الطّلاق المعلّق بالشّرط، وقالوا لمن تعلّقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حل بيعة السّلطان من أعناق الحالفين، ونسوا أنهم هم الّذين حلّوها بخلع اليمين، وأمّا هو فصرّح في كتبه أنّ أيمان الحالفين لا تغيّر شرائع الدّين، فلا يحلّ لمسلم حلّ بيعة السّلطان بفتوى أحد المفتين، ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين، ولَعَمْر الله لقد مني من هذا بما من به من سلف من الأئمّة

133