موقف القضاء الشرعي الأردني :
سبقت الإشارة إلى أن تعيين القضاة يتم عن طريق المجلس القضائي، حيث يتم بعد الإعلان عن رغبة دائرة قاضي القضاة في تعيين عدد من القضاة الشرعيين في المحاكم الشرعية التابعة لها، وتقديم الطلبات من قبل الراغبين في ذلك، وممن تتوافر فيه الشروط المطلوبة، يقوم المجلس القضائي بعقد مسابقة قضائية للمتقدمين، ويتم على أساسها اختيار القضاة الشرعيين الذين حصلوا على أعلى العلامات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل هذا يتعارض مع قاعدة طالب الولاية لا يولى؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من النظر في الأمور التالية:
أولا: هذه القاعدة ليست على إطلاقها، بل هي مخصوصة في حالات معينة أشرت إليها فيما سبق(١).
ثانيا : هناك حالات معينة أوجب فيها الفقهاء الطلب، وفي حالات أخرى استحبوه وأباحوه.
ثالثا : ثم إن من القواعد المقررة فقهاً أنه لا ينكر تغيير الأحكام بتغير الزمان(٢)، فقد اتسعت البلاد وكثر العباد، بخلاف ما كان عليه الأمر سابقاً، إذ يصعب على ولي الأمر أو من له سلطة تعيين القضاة، أن يحيط علماً بجميع من يصلح لتولي منصب القضاء في جميع أنحاء بلاده، حتى يعيِّنهم دون طلب، وعليه فلا بد من فتح المجال أمام كل من يجد في نفسه الكفاءة أن يتقدم بطلب لتعيينه حتى يتمكن ولي الأمر من أن يختار من بينهم الأكفأ والأقدر، وأن يقدم في ولاية القضاء من هو أقوم بمصالحها.
رابعا : السياسة الشرعية تقضي أن لا يعين الآن في زماننا قضاة إلا بطلب، وذلك لأن القول بخلاف ذلك يؤدي إلى فتح المجال أمام من يملك سلطة التعيين، أن يختار من يشاء بحجة أن طالب الولاية لا يولى، وقد لا يكون أهلاً لذلك.
لهذا كان من الضروري تقديم طلب من قبل من يرغب في التعيين لمنصب القضاء، إذا وجد في نفسه الكفاءة لذلك(٣)، ومن هنا فإن تطبيق قاعدة "طالب الولاية لا يولى"، إنما تكون على كل من ظهرت منه أمارات تدل على عدم كفاءته، أو عدم نزاهته كأن يقدم مثلاً رشوة،
(١) انظر: ص ٢٤١ من هذه الأطروحة.
(٢) سوف يقوم الباحث إن شاء الله بشرح هذه القاعدة، انظر: ص ٣٠٣ من هذه الأطروحة.
(٣) "فإن أبا بكر لما استخلف قال: لعمر ولأبي عبيدة أنه لابد لي من أعوان فقال عمر: أنا أكفيك القضاء، وقال أبو عبيدة: وأنا أكفيك بيت المال، ..."، قلعه جي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص ٥٦٢، وكيع، محمد بن خلف بن حبان، (١٩٤٧م)، أخبار القضاة، ٣م، المكتبة التجارية، القاهرة، ج١، ص ١٠٤.