251

Al-qaṣaṣ al-Qurʾānī

القصص القرآني

سبب انزلاق وانحراف بعض الدعاة إلى الله
كم رأينا وسمعنا من ينتسب إلى الدين وهو يقرر عقائد الضلال، بل وأحيانًا الكفر والعياذ بالله؛ لأنه أطاع من أغفل الله قلبه عن ذكره من أهل الفساد، ونحن نعلم أن انزلاق قدمه إلى هذه الهاوية، ما كان إلا ببعده عن عباد الله الصالحين، مع أنه ربما كان في وقت من الأوقات أفضل من كثير من هؤلاء الصالحين الذين يريدون وجه الله ﷿، وربما كان أعلم منهم وأعلى قدرًا، لكنه اتبع هواه، لكنه عدت عيناه عن هؤلاء الصالحين، وصار يريد زينة الحياة الدنيا، وكان بداية انحرافه دعوى المصلحة.
ولذا وجدنا هذا العتاب الشديد للنبي ﷺ، رغم أن النبي ﷺ بالقطع واليقين ما كان يريد من تطلعه إلا إيمان من يؤمن من علية القوم، ما كان يريد إلا مصلحة الدين والتمكين للإسلام، فأنزل الله ﷿ عليه هذه الآيات، وكذا قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس:١ - ١٢].
هذه هي الموازين الإيمانية التي لابد أن نزن بها الأمور، فكما ذكرنا يبدأ الشيطان في تسويل الأمر لكثير من الناس، ممن ينتسب إلى العلم والدين؛ بأن ذلك مصلحة، وأن ذلك دفع مفسدة، فتنقلب الموازين بعد حين، تجدونه والعياذ بالله يقرَّب كل ما يريده أعداء الله، ولربما فطن المشركون والمنافقون واليهود والنصارى وأعداء الإسلام إلى هذه المفاتيح في شخصيته، فيعطونه ما يريد من الوجاهة والمنزلة ومن زخرف الدنيا؛ فإذا به يصير لسان حالهم، وربما صوَّب كفرهم والعياذ بالله، فخرج عن الإسلام بتصويب هذا الكفر، فنعوذ بالله من ذلك.
وتجدون ما هو أدنى من ذلك تصريحًا؛ فإنك تجد من يقبل أنواع الضلال كلها كما ذكرنا، ويحاول أن ينسبها إلى الإسلام، ويأتي مما يعلم من الدين بما يلبس به على الناس، فتجده مثلًا يخلط على عوام الناس بين السماحة والعدل والقسط الذي أمر الله ﷿ به مع الكفار وبين الموالاة والمحبة والمودة، فتجده يصرح بالمودة والموالاة للكفار، ويقول: هذا مما أمُرنا به، وهذا مما لم ينهنا عنه الشرع، ويأتي بالأدلة الدالة على العدل والقسط والبر والإحسان لمن لم يسئ إلينا ولم يحاربنا في الدين.
نقول: البر والإحسان أمر، والموالاة والمحبة والمودة أمر آخر، وتجد العجب العجاب ممن يخلط بين الأمور، تجده مثلًا إذا أراد الناس تحكيم غير شرع الله ﷾، فإذا به ينادي مثلًا بالشورى ويزعم أنها هي الديمقراطية الحديثة، ونحن نعلم الفرق الهائل بين الأمرين، فهذه بعض الأمثلة مما نسمعه في واقعنا، وتلك هي النتيجة الخطيرة لمن اتبع وأطاع من أغفل الله قلبه عن ذكره ﷾، فيلبس الأمور على الناس، وربما استحل المحرمات، فيسمي الربا بغير اسمه؛ تلبيسًا على الناس، فيقول لهم: هذه الفوائد أحل من المضاربة التي شرعها الله ﷿، والمشاركة التي بيَّن الرسول ﷺ مشروعيتها ونحو ذلك، مع أنه يخالف إجماع أهل العلم على ذلك.
ويسمي المعازف المحرمة والفسق والفجور والمحرمات باللهو المباح البريء، ويدعي أن ذلك مما أباحه الله ﷾، ويحتج عليه بغناء جاريتين غنتا عند النبي ﷺ في يوم عيد، بعيدًا تمامًا عن كل هذا الذي نسمعه، وبالقطع واليقين لا يشك عالم في تحريم ما يذكر للناس من الغناء، وما يعرض عليهم ليل نهار.
وليس هذا في أناس بأعيانهم دون غيرهم؛ ولكن هناك طوائف كثيرة حتى من المنتسبين إلى الدعوة إلى الله، وإن لم يكونوا أتباعًا ولا أذنابًا للظالمين والمنافقين؛ بل بداية أمرهم أنهم ابتعدوا عن الصالحين، وفي نفس الوقت اتبعوا وأطاعوا من أغفل الله قلبه عن ذكره، ولهذا نجد مزيدًا من الانحراف جيلًا بعد جيل وسنة بعد سنة، وربما يومًا بعد يوم، وتجد المبادئ الجاهلية هي التي سيطرت على عقول الكثيرين كما ذكرنا، لهذا كان هذا التوكيد الشديد البين العتاب الواضح للنبي ﷺ في شأن قبول أدنى مبدأ وأدنى أمر -ولو لمصلحة ولو للتمكين للدين- من مبادئ الجاهلية، ومن باب الظلم والطغيان والعدوان.
لذلك نقول: هذا الأمر من أعظم الأمور أهمية في منهج الدعاة إلى الله، وهو حاجتك أيها الملتزم إلى صحبة الصالحين، كان الأنبياء يحتاجون إلى صحبة الصالحين، وكان الأتقياء العلماء الدعاة يحتاجون إلى صحبة تلامذتهم وأتباعهم، وهم لم يحتاجوا إلى ذلك من أجل أن يظهر علمهم بذلك، أو يظهر فضلهم عليهم، لا، هذا أمر خطير، إنهم لا يصحبونهم لكي يعظمونهم، بل هذا في فترة الاستضعاف التي تكون فيها الصحبة تهمة لهؤلاء؛ إنما يحتاجون إليهم للثبات على الدين، ولكي تظل إرادة وجه الله ﷿ هي المحرك الحقيقي للدعاة إلى الله، وللعاملين في سبيل الله ﷾، ولكي لا تدخل موازين الباطل والجاهلية إلينا من حيث لا نشعر.
لذا قال ﷿: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨].
إذًا: نهى الله عن طاعة الغافلين عن ذكر الله، ونهى عن طاعة من لا يذكرون الله إلا قليلًا، أو من لا يذكرونه بالمرة، وكون فلان يذكر الله أو لا يذكره لا نلحظه بمجرد إمساكه لمسبحة مثلًا، ولكن نلحظه في شئون حياته، فى كلامه كم فيه من ذكر الله، وكم فيه من البعد عن ذكر الله، نلحظه في كتابته، في أعماله وأحواله، في يومه وليلته ماذا يصنع وماذا يسمع وماذا يقول، وماذا يعمل؛ بهذا تعرفه، وهذا والله أمر جلي ظاهر، لا يحتاج إلى كبير مجهود.
فأنت تجد حياة الناس في ليلهم ونهارهم ما بين العمل والمقهى والتلفاز والأفلام الأخرى، والصراعات الداخلية فيما بينهم والنزاعات، إلا من رحم الله ﷾، إذا وجد هؤلاء فاحذرهم، قال ﷿: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا».
أنا ضربت المثال بالأدنى؛ ليُنتَبَه لما هو أشد من ذلك، ضربت مثالًا بعامة الناس فضلًا عمن يقضون أوقاتهم فيما هو أشد فسقًا وفجورًا والعياذ بالله ممن يقضي أوقاته في الملاهي الليلية، وفي أماكن الفجور وغيرها مما نتعفف عن ذكره، فضلًا عمن يظل الساعات الطويلة يكيد لأهل الإسلام والصد عن سبيل الله ﷿، ويقضي ساعاته الطويلة ومعظم حياته مع الكفرة والثناء عليهم والتقديس لهم وغير ذلك، ولا يكاد يلتقي بأهل الصلاح أبدًا، نسأل الله العفو والعافية.

16 / 4