وهكذا ظهر علاقة هذه المسألة بالقاعدة الكلية. وأعود لبيان آراء العلماء في هذه المسألة.
هل يخاطبنا الله بما هو خارج عن مقتضيات العقول؟
لقد عقد الشاطبي رحمه الله مسألة خاصة بهذا الموضوع خصها بأدلة الشريعة وقسم الأدلة في الشريعة إلى قسمين:
الأدلة الخاصة بأحكام الشريعة، والأدلة الخاصة بقضايا الإيمان فشمل بهذه المسألة جميع ما في القرآن لأن القرآن يشتمل على المحكم والمتشابه، فآيات الأحكام داخلة في القسم الأول. لأنها مناط التكليف وهذا القسم يستحيل وجود أشياء خارجة عن مقتضيات العقول فيه. لأن العقل هو مناط التكليف وإذا وجد في القرآن أشياء لا تتلقاها العقول بالقبول كان هذا تكليف ما لا يطاق(١٤٦) وهو أبعد من التكليف بما لا يطاق. وهو ممنوع.
وفي هذا يقول الإمام الشاطبي(١٤٧) الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول. والدليل على ذلك من وجوه.
أحدها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعي ولا غيره. وبيان ذلك أن الأدلة إنما نصبت في الشريعة لنتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت أحكام التكليف. ولو نافتها لم تتلقها فضلاً عن أن تعمل بها. ويستوي في هذا الأحكام الإلهية والأحكام التكليفية.
والدليل الثاني لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفاً(١٤٨) بما لا يطاق. وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل. ولا يتصوره بل يتصور خلافه ويصدقه. فإذا كان كذلك امتنع على العقل التصديق وقد فرضنا ورود التكليف المنافي التصديق وهو معنى تكليف ما لا يطاق. وهو باطل حسبما هو مقرر في الأصول.
الدليل الثالث، أن مورد التكليف هو العقل بالاستقراء التام. حتى إذا فقد ارتفع
(١٤٦) هناك فرق بين التكليف بما لا يطاق، وتكليف ما لا يطاق. فالأول أن يكلف الشارع فعل شيء معين متصور فعله لكنه لا يطاق لصعوبته لكن تكليف ما لا يطاق. هو أن يصدر التكليف بما لا يتعين ولا يتصور فعله. فالأول نفس المكلف به لا يطاق فعله، والثاني نفس التكليف خارج عن الطوق.
(١٤٧) مرت ترجمته في ص ٢٢.
(١٤٨) الأولى هنا أن يكون تكليف ما لا يطاق، والله أعلم.