فدل على أن أحدهما غير الآخر (١٠٢).
الوجه الخامس: قالوا إن المجاز كذب لأنه يتناول الشيء على خلاف الوضع.
والجواب: أنا لا نسلم أن المجاز كذب فإنه إنما يكون كذباً أن لو أُثبت ذلك حقيقة لا مجازاً، فإنه لا كذب مع اعتبار العلاقة وهي المشابهة في الصفة الظاهرة (١٠٣).
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي (١٠٤) وهذا خرق للإجماع فإنهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع استقباحهم الكذب. قال: وعلى أن الكذب يتناول الشيء على غير المطابقة. والمجاز يطابق الخبر من طريق العرف وإن كان لا يطابقه من طريق اللغة (١٠٥).
الوجه السادس: قالوا إن المجاز من ركيك الكلام فلا يدخل في كلام الله تعالى.
الجواب المجاز ليس من ركيك الكلام بل ربما كان أفصح وأقرب إلى تحصيل مقاصد المتكلم البليغ (١٠٦).
هذا مجمل ما استدل به منكروا المجاز من المتقدمين كالظاهرية ومن نسب إليهم إنكاره كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والأستاذ أبي علي الفارسي وقد ظهر من مناقشة العلماء لهذه الأدلة ما يدل على ضعفها وعدم مقاومتها لما استدل به الجمهور، من الأصوليين، والمفسرين، والأدباء، واللغويين، الذين استدلوا لمذهبهم بوروده في الكتاب العزيز وبوقوعه في لغة العرب شعراً ونثراً والوقوع دليل الجواز وزيادة.
بقي علينا أن نبين موقف فقهاء المذهب الحنبلي المتأخرين من المجاز بصفة عامة ودخوله في القرآن بصفة خاصة ثم تقرير ما تم التوصل إليه.
البخاري هذا الحديث وحديث ((ركب النبي على فرس ثم قال إني وجدته بحراً تحت باب)) المعاريض وفيه دلالة على أن النبي كان يتكلم بالمجاز ويؤخذ هذا من تبويب البخاري لمثل هذه الأحاديث تحت المعاريض، صحيح البخاري ج ٧ ص ١٢٢ الأدب باب/١١٦.
(١٠٢) المراجع السابقة.
(١٠٣) الأحكام للآمدي ٦٧/١ والمحلى على جمع الجوامع ٣١٣/١.
(١٠٤) القاضي أبو يعلى مرت ترجمته في ص ٦٤.
(١٠٥) العدة لأبي يعلى ج ٧٠١/٢ تحقيق الدكتور أحمد سير مباركي مؤسسة الرسالة.
(١٠٦) انظر المراجع السابقة.