349

إذا بدا بالإنسان وخاصة الصبيان والفتيان حمى حارة مطبقة، وكان مع ذلك وجع في الظهر واحتكاك في الأنف وفزع في النوم، وثقل وحمرة في الرأس والعين ونخس في الجسد، فاعلم أنه سيثور بالعليل حصبة أو جدري. وإن لحقت العليل قبل أن تثور به فافصده واحجمه واستكثر من إخراج الدم ثم اسقه أقراص الكافور بماء الرمان الحامض، واقتصر به في غذائه على ماء الشعير غدوة وعشية. وإن ضعف ودعته نفسه إلى غذاء أكثر فاقتصر به على العدس المقشر المتخذ بالخل، والحساء المتخذ من النشاء والسكر، ودهن اللوز والبقول الباردة ما حضر منها، واسقه ربوب الفواكه الحامضة والقابضة. وإن كانت الطبيعة معتقلة يابسة فاسق العليل كل ليلة النقوع، فإن بهذا التدبير إما أن يندفع خروجه البتة وإما أن يكون ما يثور به ضعيفا. فإن لم يلحق العليل حتى يبدأ بالخروج فلا تفصده حينئذ ولا تعطه أقراص الكافور بل أقراص الطباشير. وادهن جسده ليكون عرقا قليلا لأنه يسهل بذلك خروجه. فإن رأيته عسر الخروج، وكان العليل يشتد به الغثي والكرب ويصيبه في بعض الأحايين خفقان، فاسقه طبيخ التين والزبيب والعدس المقشر وبزر الرازيانج وعيدان اللك، يؤخذ منها كف كف ويطبخ بالماء ويسقى مرات في النهار، ويقطر في العين ماء ورد وقد نقع فيه سماق أو عصارة شحم الرمان. وينشق الماء ورد والماء البارد مع يسير من خل. ويتغرغر به لئلا يخرج في عينه وأنفه وحلقه منه شيء. فإن خرج في العين منه شيء فليحل الكحل بماء الكزبرة ويقطر فيها في النهار مرات. وإذا خرج كله ونضج فنومه على ورق خلاف وانثر عليه وعلى فراشه وردا مسحوقا ما لم يبادر إلى اليبس وكان عظيما كثير الماء. وشربه ماء الملح بقطنة وأوقد بين يديه في الشتاء الطرفا. وفي الصيف بخره بالصندل وورق الورد والآس، واطبخ هذه وأدخله في مائها حتى وإن أبطأ الجفاف. وإذا استحكم الجفاف وعلاه قشرة سمجة جدا وخشنت البدن، قشرت ما أدى منها رشح البدن وعسر انقلاع الخشكريسة، فاطله بدهن خل فاتر بقطنة مرات في اليوم حتى إذا تساقطت القشور كلها وصح العليل. وإذا أردت قلع الآثار فالزم العليل الأطلية الموصوفة في باب قلع الآثار، والحمام، والتدبير المسمن. وبعد أن يثور الجدري والحصبة كلها ارجع إلى سقي ماء الرمان وأقراص الطباشير وجميع التدبير المبرد. ولا يأكل الفروج إلا بعد أن تسقط قشور الجدري كلها وتفارق البدن الحمى والحرارة. واحذر أن تسقيه شيئا يسهل بعد ظهور الجدري والحصبة. وإن لانت طبيعته فاسقه ماء سويق الشعير بالطباشير والصمغ والطين الأرمني والورد على ما ذكرت في باب الإسهال. وشر الجدري هو البنفسجي وبثوره الصغار الصلبة التي لا تنضج. وكذلك الحصبة البنفسجية فهي رديئة. وإذا رأيت الجدري والحصبة عسري الخروج والنضج. والحمى والكرب لا يسكن ولا يجف وهاج مع ذلك الغشي والخفقان، فإن العليل هالك. وإن بادر الجدري والحصبة بالخروج والنضج وأسرع سكون الحمى والحرارة فإنه سليم.

فيما يحتاج معرفته في تدبير الأمراض الحادة:

ينبغي لمن أراد إحكام تدبير المرض الحاد أن يعرف: أسليم هذا المرض أم مهلك؟ وقصير أم طويل؟ وينقضي ببحران أم لا؟ وفي أي يوم يكون ذلك البحران؟ وبأي نوع؟ وما عليه يجري تدبير العليل قبل البحران وعند حضوره وبعد كونه إلى لواحق ذلك وتوابعه. ونحن ذاكرون ما يحتاج إليه من هذا الفن بقدر قصد كتابنا هذا وموضوعه على غاية الاختصار والإيجاز إن شاء الله.

في العلامات الجيدة:

Page 491