402

Al-Majmūʿa al-ʿUlyā min kutub wa-rasāʾil wa-fatāwā Shaykh al-Islām Ibn Taymiyya

المجموعة العلية من كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

Editor

هشام بن اسماعيل بن علي الصيني

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

1422 AH

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

كما دلّ القرآن على ذلك في غير موضع، وهذا شيء آخر غير كونها مربوبة له، ومقدورة ومقهورة، وغير ذلك من معاني ربوبيته وقدرته التي هي منتهى نظر أكثر المتكلمين والمتفلسفة حتى يظنوا أن هذا هو تسبيحها، وأن دلالتها على وجود الرب وقدرته هو تسبيحها بلسان الحال فقط، وإن كان ما أثبتوه حقاً، فليس الأمر كما زعموه، بل على ما أخبرت به الرسل ودلت عليه، كما نطقت به الكتب الإلهية، ودلت عليه البراهين العقلية، كالأمثال المضروبة التي بثها الله تعالى في كتابه، وعرف ذلك أهل العلم والإيمان الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِي/ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].

[٨١ب]

فإن قيل: فقد ذكرتم أن الموجودين كما لا يكون أحدهما فاعلاً للآخر ولا سبباً له، فلا يكون كل منهما معلولاً للآخر ومقصوداً له هو منتهى إرادته، ولا يكون كل منهما هو المقصود بالآخر من فاعل واحد، وأنتم تعلمون أن التحاب من الجانبين موجود في نفوس الحيوان، كما أن الزوجين الذكر والأنثى من الناس والبهائم يحب كل واحد منهما الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، بل كل من الزوجين قد يكون الآخر محبوباً له معشوقاً لذاته، وهو غاية مقصوده، لا يحبه ويقصده لشيء آخر غير نفسه والاتصال به، ويوجد مثل ذلك في أنواع التحاب والتعاشق الذي هو محرم ومكروه في العقل والدين، إذ المقصود هنا ذكر الواقع.

234