يقرره بالإمكان(١)، وتقريره بالحدوث(٢) أظهر.
وقد ذكرنا غير مرة أن ما دلّ على حدوث الحوادث المشهودة، وأنها خلق لله يدلّ على ذلك في أفعال العبد، لا فرق بين أفعاله وسائر صفاته.
والمقصود هنا الطرف الثاني، وهو أن ذلك الفعل لا بد له من منتهى هو المحبوب المقصود المطلوب به.
فنقول: كما أن العبد يوجد فعله تارة ويعدم أخرى، ففعله الموجود بإرادته قد يريد به ما يصلحه وينفعه تارة، وقد يريد به ما يفسده ويضره أخرى وذلك لأنه إما أن يصلح له أن يفعل كل ما يهواه ويحبه ويريده من الأفعال، فيقصد ويعبد ويطلب كلّ ما يهواه، ولا يصلح ذلك إلا في بعض الأمور دون بعض.
بيان أن اتباع الهوى يلزم منه وقوع الفساد.
والأول باطل، لأنه إذا فعل كل شيء يهواه ويحبه لزم وقوع الفساد المستلزم لبعض ما يحبه ويهواه، بل لو وقع في الوجود كل ما يهواه كل إنسان لزم فساد العالم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، وذلك أن أهواء النفوس ليس لها حدّ تقف عنده إذا أعطيت/ القدرة، بل هذا يهوى أن يغلب هذا فيقتله أو يأخذ ماله أو رئاسته، وهذا كذلك، وهذا يهوى أن ينال ما اشتهاه من الفروج والصور، وهذا يهوى ذلك، فيلزم فساد الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.
[٦٥أ]
(١) عرَّفه الجرجاني بقوله: الإمكان: عدم اقتضاء الذات الوجود والعدم. التعريفات (ص٣٦).
(٢) الحادث: ما يكون مسبوقاً بالعدم، ويسمى حدوثاً زمنياً، وقد يُعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثاً ذاتياً. التعريفات (ص٨١).