من الأنواع إلا عبد، إما عبادة تألهٍ، وإما عبادة تسخير - إلى أن قال - وأعظم محل فيه عُبد وأعلاه الهوى، كما قال: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فهو أعظم معبود، فإنه لا يُعبد شيء إلا به، ولا يعبد هو إلا بذاته))(١).
وهذا جهل منه حيث قال: ((لا يُعبد إلا بذاته))، فإن الهوى نفسه إن عنى به المهوي، فكل ما هُويّ فهو هَوى، فإذن كل ما هُويَ فقد هُويَ لذاته، فيبطل التخصيص.
وإن (عنى)(٢) به نفسه المصدر الذي هو نفس إرادة النفس مثلاً، فذاك هو القصد والإرادة التي تكون عبادة، فكيف تكون العبادة هي المعبود؟
وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه(٣).
فإذن هو لا يثاب على ما اتبعه من الحق، ويعاقب على ما اتبعه من الباطل، وذلك لأنه يكون إنما اتبع هواه في الموضعين، لم يتبع الحق لأنه حق، فلما كان اتباع الهوى يضل عن سبيل الله/ أخبر بأن الضلال مع اتباع الهوى في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].
[٦٣أ]
(١) انظر فصوص الحكم (١/ ١٩٤).
(٢) في الأصل: عين.
(٣) أخرجه الهروي في ذم الكلام (٨٣/٤ - ٨٤) برقم (٨٢٤).