والرحمة والقدرة ونحو ذلك، إنما يصير صاحبها سعيداً كاملاً نائلاً سعادته إذا/ قصد المقصود المعبود لذاته، فأما بدون ذلك فلا سعادة له أصلاً.
[٥٥ب]
فمثل هذه الصفات من توابع الكمال والسعادة ومكملات ذلك، وأما عبادة المعبود المقصود لذاته فإنه من لوازم السعادة والفلاح، لا يتصور وجود السعادة والفلاح بدون ذلك.
فالمتحركات العلوية جميعها حركاتها عبادة لله، كما وصف الله بذلك الملائكة وغيرهم، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ - ثم قال - وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، فبيّن بذلك أنه ليس المراد بالسجود مجرد دلالتها على الخالق، وشهادتها، بل إن (الحال له)(١) فإن هذا يشترك فيه جميع الناس ﴿فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٨، ١٩].
المتحركات العلوية جميع حركاتها عبادة لله.
ولهذا عدل أبو الحكم بن بَرَّجان(٢) في شرحه للأسماء الحسنى في لفظ التخلق والتشبه إلى لفظ التعبد، فصار يذكر معنى الاسم واشتقاقه، ثم الاعتبار إثبات مقتضاه في المخلوقات، ثم تعبد العبد بما شرع له من مقتضاه، فقد تبيّن بذلك أنه لا يصلح أن يكون شيء من المخلوقات مقصوداً
(١) هكذا في الأصل.
(٢) عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال اللخمي الصوفي المغربي المشهور بابن بَرَّجان، له كتاب في تفسير القرآن، و((شرح أسماء الله الحسنى)) وغيرهما، وهو من طائفة السالمية، وله ميل إلى الحلول. انظر: سير أعلام النبلاء (٧٢/٢٠)، ومجموع الفتاوى (٢٩٩/٢)، و(٥٤٨/٥).