ومن هنا تجدهم معرضين عن العبادات، بل مستخفين بأهلها، وقد يظنون أن الرسل إنما أمروا بحفظ قانون يُستعان به على نيل الحكمة والنظر به فقط، كما ذكر ذلك من ذكره من متفلسفة المسلمين واليهود وغيرهم.
وأما الرسل، فأول دعوتهم الأمر بعبادة الله، ولهذا كان نهاية المتفلسف أول قدم يدخل به الإنسان في الإسلام.
الوجه الثاني: أنهم جعلوا العلوم الذي تكمل به النفوس هي العلم بالمجردات التي عند التحقيق لا وجود لها إلا في الأذهان لا في الأعيان، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع(١).
الوجه الثاني: جعلهم العلم الذي تكمل به النفس هو العلم بالمجردات التي لا توجد إلا في الأذهان.
[٥٥أ]
فأما الموجودات الخارجية، فهم لا يعلمونها بأنفسها/ ولا يعترفون بالله ولا ملائكته، وإنما يقرون بوجودٍ مطلقٍ بشرط الإطلاق لا حقيقة له في الخارج.
الثالث: جعلهم غاية كمال الإنسان التشبّه بالإله، وأن المتحركات العلوية إنما تتحرك للتشبيه بمن فوقها، مع أنهم أشد الناس إنكاراً للتشبيه، وأدخلهم في التعطيل ( ... )(٢) من التشبيه ما يخلقه الله، ويدعون من التشبيه ما يفعلونه بكسبهم.
الوجه الثالث: جعلهم غاية كمال الإنسان هو التشبه بالإله.
وقد استدل أبو حامد(٣) بحديث ذكره مرفوعاً إلى النبي ﷺ
الكلام على الحديث الموضوع: (تخلقوا بأخلقوا بأخلاق الله).
(١) جعل الفلاسفة العلوم التي تكمل بها النفوس هي العلم بالمجردات، ورد ابن تيمية عليهم مبسوط في الصفدية (٢٣٣/٢) وما بعدها، وأما بيان أن الكليات لا تكون في الأعيان، وإنما تُقدر في الأذهان، فقد تكلم عليها في مواضع كثيرة من كتبه، منها: الصفدية (١١٢/١، ١٥٩، ٢٤٣، ٣٠٣)، والرد على المنطقيين (ص١٣٣)، وبغية المرتاد (ص٤٣٥)، والدرء (٩٤/٥) و(٦/ ١٦١).
(٢) في الأصل بياض مقدار كلمة.
(٣) يقصد أبا حامد الغزالي.