ومعلوم أن العالم يتميز فيه هذا عن (١) هذا، يدلّ عليه قوله: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ولهذا قال الثنوية(٢): بأن مفعول النور ليس هو مفعول الظلمة، بل زعموا باختلاط المفعولين وامتزاجهما مع التباين، كما زعم من زعم من الثنوية بأن نفس الأصلين امتزجا واختلطا ثم تميزا، فلم يقل أحد من العقلاء: إن المفعول الواحد صدر عن اثنين، وهذا توحيد الربوبية، وهو متفق عليه بين العقلاء، ولم يكن هو [٤٢ب] المقصود بالذكر ولا / الآية أنزلت لتقريره، كما يظنه من يظنه من المتكلمين، وإنما هي لتوحيد الإلهية المستلزم لتوحيد الربوبية، وهو الذي قصدناه في هذا الموضع.
[٤٢ب]
(١) في الأصل: عين.
(٢) الثنوية: هم القائلون بأن النور والظلمة أزليان قديمان، وهم فرق عدة، وهي:
المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم، الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير.
والمزدكية: أصحاب مزدك، وهو الذي ظهر أيام قباذ والد أنوشروان.
والديصانية: أصحاب ديصان، أثبتوا أصلين، نوراً وظلمة.
والمرقيونية: أصحاب مرقيون، أثبتوا أصلين متضادين، النور والظلمة، وأثبتوا أصلاً ثالثاً، وهو المعدل الجامع، وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع. انظر: الملل والنحل الشهرستاني (١/ ٢٤٤ - ٢٥٥)، والفصل لابن حزم (٨٦/١ - ٩٢).