وسبب له، لما فيه من الدور القبلي(١)، ولا يمتنع شيئان بأن كل منهما مع الآخر بشرط فيه، وهو الدور المعي(٢).
وقد بينًا هذا في جواب/ مسائل الدَّوْرِ، وذلك أن العلة والسبب والفاعل، يجب أن تتقدم المعلول والمسبب والمفعول، فإذا كان هذا علة ذاك، وجب أن يكون هذا قبله.
[٣٦ب]
وإذا كان ذاك علة هذا، وجب أن يكون ذاك قبله، فيجب أن يكون هذا قبل ذاك، وذاك قبل هذا، وهو ممتنع، إذ هذا إذا كان قبل ذاك، وذاك قبله، كان ذلك قبل قبل نفسه، وهو لو كان قبل نفسه، كان ممتنعاً، لالتزامه اجتماع النقيضين، إذ هو قبل نفسه معدوم، فإذا كان قبلها، كان معدوماً موجوداً، فيلزم هنا اجتماعهما مرتين.
وكذلك إذا قيل: يلزم أن يكون ذاك قبل هذا، وهذا قبله، يلزم مثل ذلك، فيلزم أن يكون ذاك قبل قبل نفسه، وهذان الاجتماعان هما ذاك بأعيانهما، وإنما فيه التقديم والتأخير، ومضمونه أن يكون الشيء موجوداً قبل أن يكون موجوداً بدرجتين، فإن كون الشيء فاعلاً لنفسه، ممتنع، فكيف يكون فاعلاً لفاعل نفسه، وكذا كونه علة نفسه، يعني أن نفسه وجدت
(١) الدور نوعان: فالدور القبلي السبقي وهو: أن لا يوجد هذا إلا بعد هذا، ولا يوجد هذا إلا بعد هذا، وهذا دور العلل والفاعلين، وهو ممتنع.
وأما الدور المعي الاقتراني: وهو أنه لا يكون هذا إلا مع هذا، ولا يكون هذا إلا مع هذا، فهذا هو الدور في الشروط، وما أشبهها من المتضايفات كالأبوة والبنوة، والمتلازمات، ومثل هذا جائز.
وقد شرح ابن تيمية هذه المسألة في عدة مواضع من كتبه، منها: مجموع الفتاوى (١٥٣/٨)، ومنهاج السنة (١٧١/٢) و(٣٠٧/٣)، والجواب الصحيح (٤/ ٢٩٧).
(٢) تقدم شرح المقصود بهذا المصطلح في الحاشية السابقة.