ذلك على أنه بكل شيء عليم، ولهذا قال في السورة الأخرى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤، ٥]، والكتابة بالقلم تتضمن القول، والقول يتضمن العلم، وهذه الثلاثة هي مراتب التقدير العلمي، وذلك مذكور بعد خلق العين، فذكر إحداثه لذاته وصفاته وأفعاله، فانظر كيف كانت الرسالة تتضمن الدلالة بهذين الأصلين، الخلق المستلزم للحياة، والهدى والنور الذي هو كمال الحياة.
وكذلك قال الخليل لما قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ذكر الأصل الأول، ثم ذكر أن الله يأتي بالشمس من المشرق، وفي الشمس (الضياء)(١) والنور الذي يُعَيّش الناس، فذكر الحياة والنور.
فهذه المعاني في التمثيل بالماء والنار أيضاً، فالماء رطب، والنار حارة، والحياة إنما تحصل بالحرارة والرطوبة، ولما ذكر الله في سورة الواقعة خلقه للنسل والحرث - للخلق - والرزق بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨، ٥٩]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، فذكر النسل والحرث وذلك متضمن خلق الإنسان، وخلق طعامه كما قال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] الآية، ثم ذكر بعد ذلك ما يتم به الحرث والنسل من الماء والنار، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١].
وأيضاً فالتمثيل بالنار يقتضي الحركة، وحرارة الطلب، والإرادة والشوق والمحبة، والنور، والهدى مع ذلك، فتبين أن
(١) في الأصل: ((والضياء)).