أمروا بها، لكن إذا لم يكونوا نهوا عنها، بل وغير الحب من الأحوال المحمودة قد تفعل مثل ذلك من الرحمة للخلق والرجاء لرحمة الله، والخوف من عذابه، فإن الأفعال ثلاثة: مأمور به، ومنهي عنه، وما ليس مأمور به ولا منهي عنه.
فكثير من المحبين يفعل ما يراه محصلاً لمقصوده من محبوبه إذا لم يكن منهياً عنه، حتى إن منهم من يُنهي أو يُمنع كما منع موسى عليه السلام عن النظر لما سأله، وإنما دعاه إليه قلق الشوق والمحبة، كما أن نوحاً لما سأل في ابنه قيل له: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إن إبراهيم لحليم أوه منيب (٧٥) يإبراهيم أعرض عن هذا﴾ [هود: ٧٤ - ٧٦]. وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فلا (يفعل إلا ما أمر به) (١) من دعاء وعبادة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم العبد المحض الذي لا يفعل إلا ما أمرَه به ربُّه، فلهذا أمره بالدعاء فقيل له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقيل له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وإذا كان يوم القيامة وردًّ الأنبياء إليه الشفاعة العظمى، وجاءته الأمم، يجيء (إلى)(٢) ربه، ويخرُّ ساجداً، ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، فيقول له: (أي محمد! ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تشفع)(٣)/، فلا يشفع إلا بعد أن يؤمر بالشفاعة، فلا يقال له: أعرض عن هذا، ولا يقال له: لا تسألني ما ليس لك به علم. وقد أوجب الله على أهل المحبة متابعته بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
[٨ب]
(١) في الأصل: يفعلون إلا ما أمروا به.
(٢) في الأصل: إليه.
(٣) أخرجه - من حديث أنس - البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، باب (١) قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ برقم (٤٤٧٦)، وأطرافه برقم (٦٥٦٥، ٧٥١٠، ٧٥١٦) ومسلم برقم (١٩٣).