مع ذلك إذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا، فهذه حال من يكون إدراكه الذي هو سمعه وبصره، وعمله الذي هو حركته، فيه خلل واضطراب وآفة ونقص وفساد، ولكن لم يعدم ذلك بالكلية، وهذه نسبة حال من فيه إيمان ونفاق، وفي قلبه مرض.
٤ - وهؤلاء جاء فيهم قوله تعالى في سورة المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٤)﴾، فأخبر أنهم آمنوا ثم كفروا، كما ذكر نحو ذلك في سورة البقرة، وهذا يقتضي شيئين:
أحدهما: أنه قد كان منهم ما هو إيمان، وأنهم رجعوا عنه، ومعلوم أنهم ليسوا كالمرتدين الظاهرين الردة، بل هذه حال المنافقين المتناقضين، الذين يقولون قول المؤمنين، ويقولون ما ينقض قول المؤمنين، ولو كانوا صادقين مجمعين القول الأول، لم يأتوا بما يناقضه.
والثاني: أنهم ليسوا أيضاً تاركين لكل ما يتركه المؤمنون ويفعلونه، بل يوافقونهم على شيء، ويوافقون شياطينهم على شيء، وهم وإن كانوا في الظاهر مع المؤمنين، ففي الباطن مع شياطينهم، وهذا هو النفاق، وقد فُسِّر بذلك إيمانهم وكفرهم، أي آمنوا ظاهراً ثم كفروا باطناً.
فالقرآن يدلّ على أنهم أولاً حصل لهم هدى، ثم رجعوا عنه، مع كونهم أظهروا خلاف ما يبطنون، وهذه حال طوائف من العباد، يقرون بالحق من بعض الوجوه، ولم يقروا به إقراراً