182

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

إلى أَنْ خطفته - آخر مرة - مِن سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرِّزایا.

وكان قبل موته قد منع الدَّواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم. فكان مبدأ مرضه، ومنشأ عرضه. حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر. وحلّ ساحة ربّه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه مِن اللائم والعاذر. فمات وما مات بل حبي، وعرفت قدره لآن؛ مثله ما رُئي. ما برح على المآثر إلى أنْ صرعه أجله، وأتاه بشير الجنَّة يستعجله. فانتقل إلى الله؛ والظنّ به أنَّه لا یخجله. وكان يوم دفنه يوماً مشهوداً ووقتاً معدوداً. ضاقت به البلد وظواهرها، وتُذُكِّرت به أوائل الرِّزايا وأواخرها.

ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازةٌ رفعت على الرِّقاب، ووُطئت في زحامها الأعقاب. وسار مرفوعاً على الرؤوس متبوعاً بالنُّفوس. تحدوه العبراتُ، وتتبعه الزّفرات. وتقول له الأمم: لا فُقدت مِن غائب. ولأقلامه النَّفعة: لا أبعدكن الله مِن شجرات(١).

وكان أمةً وحده، وفرداً حتى نزل لحده ثم قال:

أهكذا في الدّياجي يُحجبُ القمرُ ويُحبَسُ النَّؤ(٢) حتى يذهبَ المَطَرُ(٣)

أهكذا الدهر ليلاً كله أبداً فليس يُعرفُ في أوقاتِهِ سَحَرُ(٤)؟

أهكذا يُتركُ البحرُ الخِضَمُّ ولا يُلْوى عليه، وفي أصدافِهِ الدُّررُ؟

(١) المصنف - ((الشهادة الزكية)): ص ٦٦ - ٦٧.

(٢) في ((العقود الدرية)) ص ٥٢٦: ((النور)) وهو تصحيف.

(٣) في ((المصدر السابق)) زيادة:
أهكذا تمنع الشمس المنيرة عن منافع الأرض أحياناً فتستتر؟

(٤) في ((المصدر السابق)) زيادة:
أهكذا السيف لا تمضي مضاربه والسيف في الفتك ما في عزمه خور؟

أهكذا القوس ترمى بالعراء، وما تصمى الرمايا، وما في باعها قصر؟

182