283

من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه » (1).

وانتبه الى قوله عليه السلام : « ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة ، اذا اضطررت إليها اكلت منها ، إن الله تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون والى ما هم إليه صائرون ، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم ، فلا يغرنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت » ثم تلا قوله تعالى : « تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا » (2) وجعل يبكي ويقول : « ذهبت والله الأماني عند هذه الآية » ثم قال عليه السلام : « فاز والله الأبرار ، الذين لا يؤذون الذر ، كفى بخشية الله علما ، وكفى بالاغترار جهلا » (3).

أقول : أراد بقوله « ذهبت والله الأماني » أماني أهل الأعمال السيئة إذ يحلم الله عنهم فيظنون أنهم في نجاة من عذاب الله في الآخرة ، ولكن الآية دالة على أن الدار الآخرة مقصورة على هؤلاء الذين لا يريدون العلو ولا الفساد ، إذن فلا نصيب لغيرهم فيها ، وأين تكون أماني أهل الآمال الذين ليسوا من اولئك ، وقد قطعت الآية تلك الأماني من نفوسهم.

وشكا إليه رجل الحاجة ، فقال عليه السلام : « اصبر فإن الله سيجعل لك فرجا » ثم سكت ساعة ، ثم أقبل على الرجل فقال : « اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟ فقال : أصلحك الله ، ضيق منتن ، وأهله بأسوإ حال ، فقال عليه السلام : إنما أنت في السجن فتريد أن يكون فيه سعة أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن ».

وتأمل قوله عليه السلام : « من أصبح وأمسى والدنيا اكبر همه جعل الله

Page 23